|
عودة (الظاهرة
الاستعمارية)
تقرير: حسن عبد
الحميد
لم يعرف التاريخ
المعاصر أسوأ ولا
أبشع ممارسة سياسية
من (الظاهرة
الاستعمارية)؛ تلك
التي اندفعت فيها
الدول الأوروبية نحو
آسيا وإفريقيا وشرعت
بصورة محمومة تستلب
خيرات البلاد
المستعمرة وتستعبد
شعوبها من أجل أن
تدور المصانع وتزدهي
المزارع في أوروبا
وتتراكم الأموال
ويرتفع المستوى
المعيشي للسكان
الأوروبيين؛ ولا يهم
الانسان الأوروبي بعد
ذلك المآسي التي جرت
بحق الشعوب
المستعمرة؛ فضمير
أوروبا لا يعمل إلا
إزاء الحالات التي
يكون كل الأطراف من
البيض.
وإثر كل تسوية
أوروبية بين دولها
المتحاربة؛ تدفع
الشعوب الإفريقية
والآسيوية الثمن؛ ففي
نهاية القرن التاسع
عشر تولى مؤتمر برلين
توزيع (الأسلاب) على
الدول الأوروبية، وتم
تقسيم الشعوب
الإفريقية والآسيوية
على القوى
الاستعمارية
الأوروبية. وعقب
الحرب العالمية
الثانية؛ جلس وزيري
خارجية فرنسا
وبريطانيا سايكس و
بيكو يُعملان قلميهما
كالمشرط الصدئ لرسم
خارطة جديدة بعد
الحرب في الاتفاقية
التي عرفت باسميهما.
أما بعد الحرب
العالمية الثانية تلك
الفترة التي شهدت
خروج الولايات
المتحدة من عزلتها
للعب دور أكبر على
مستوى السياسة
الدولية، فقد شهدت
نوعا آخر من
الاستعمار لم تتحرك
فيه الجيوش ولم تلتق
فيه الفيالق؛ لكن تم
توزيع مناطق النفوذ
بين كل من الاتحاد
السوفيتي و الولايات
المتحدة قطبي مرحلة
ما بعد الحرب
العالمية الثانية،
وهي مرحلة تشكل جديد
للظاهرة الاستعمارية،
وُعرفت تلكم الفترة
بمرحلة الحرب الباردة
التي بدأت بسقوط
برلين وانتهت بانهيار
جدار برلين أوائل
تسعينيات القرن
الماضي.
ومنذ إعلان بوش الأب
عن ما أسماه (النظام
العالمي الجديد) بعد
حرب الخليج الثانية
في مطلع العام 1992م؛
شهدت الساحة الدولية
انفرادا للولايات
المتحدة وريثة النظام
الاستعماري القديم
بمعظم الشأن الدولي،
وهي فترة أبرز
ملامحها من وجهة نظر
الاستراتيجية
الأمريكية ضمان أمن
(إسرائيل) وتأديب ما
أسمته الولايات
المتحدة بـ (الدول
المارقة) وهو الاسم
الأمريكي للدول ذات
النزعة الاستقلالية
المتمردة على
الاستكبار الأمريكي.
ومثّلت (الحالة
السودانية) استعصاءا
على صانع القرار
الأمريكي الذي يريد
سوق الدول والحكومات
بالعصا الغليظة حينا،
وبالمساعدات المسمومة
أحيانا أخرى، ولما لم
تحقق نجاحا يُذكر
يمثل حالة اختراق لـ
(الحالة السودانية)؛
استعانت الولايات
المتحدة بمنظومة
الدول الاستعمارية
القديمة وعلى رأسها
فرنسا وبريطانيا،
واستعان ثلاثتهم
بالمنظمات الدولية
وعلى رأسها الأمم
المتحدة، وفي هذا
الإطار جاء ميلاد
المحكمة الجنائية
الدولية لتُضاف إلى
سابقاتها من أدوات
الاستعمار الجديد مثل
مجلس الأمن وصندوق
النقد الدولي ومنظمة
التجارة العالمية...
وأبرز خطط الاستعمار
الجديد لتمرير
مخططاته بالصورة
المثلى؛السعي إلى
تقسيم الدول الكبيرة
مساحة وتأثيرا
إقليميا، وعلى رأسها
السودان. وقد ظهرت في
هذا المخطط دراسات
وخرائط. وقد ذكر
الدكتور مصطفى
إسماعيل مستشار رئيس
الجمهورية في خطابه
لقادة العمل الصحفي
الإسلامي إثر مؤتمر
الصحافة الإسلامية
الذي انعقد بالخرطوم
في العام 2007م أن
كتابا صدر في هذا
الصدد، وعلق مؤلف
الكتاب أن أوضح
الخرائط الجديدة
لتقسيم العالم
الإسلامي هي الخرائط
التي تخص السودان.
كما نشرت وسائل
الإعلام في السودان
في بداية العام 2004م
في بداية ولاية بوش
الابن الثانية دراسة
عن تقسيم السودان إلى
ثلاث دول: دولة
جنوبية تتبع للولايات
المتحدة؛ ودولة غربية
تتبع لـ (إسرائيل)،
ودولة شمالية تتبع
لمصر. وبهذا يمكن أن
نفهم سر اهتمام
(إسرائيل) واليهود في
العالم بقضية دارفور
وتسريع خطوات التأزيم
عبر المنظمات
الإغاثية أو المؤسسات
الدولية، وقد توّجت
تلك الجهود بزيارة
المتمرد عبد الواحد
محمد نور الشهر
الماضي لـ (إسرائيل)
في انتحار سياسي
تجاوز كل الخطوط
الحمراء التي توافقت
عليها جميع القوى
السياسية في العالم
الإسلامي لأكثر من
ستين عاما بعد ظهور
الكيان الغاصب
اليهودي على أرض
فلسطين.
إن تحركات أوكامبو
وما يسمى بالمحكمة
الجنائية الدولية لا
يمكن فصلها إطلاقا عن
عودة (الظاهرة
الاستعمارية) بوجهها
القبيح مرة أخرى،
والأدلة على هذا
التلازم أكثر من أن
تُذكر وأظهر من أن
تُنكر، ويكفي أن تكون
فرنسا وبريطانيا
الدولتان العريقتان
في استعمار الشعوب
بالإضافة إلى
الولايات المتحدة
وراثة الاستعمار
الغربي وراء قرارات
أوكامبو.
لكن في كل تجارب
الاستعمار؛ اتضح أن
توحيد الجبهة
الداخلية يمثل الصخرة
الصلبة التي تتكسر
عليها المحاولات
البائسة لقادة
الاستكبار العالمي،
وهو ما يقوم به
السودان بنجاح منقطع
النظير هذه الأيام.
|