|
تاريخ حركة الإخوان
المسلمين في السودان
(1945 ــ 2009م)
الحلقة الثالثة
الشيخ ياسر عثمان
ياسر جاد الله
بؤر الخلاف وبوادر
الانحراف
لابد لأي باحث أو
مؤرخ أن يقف عند بؤر
الخلاف المبكر منذ
فترة النشأة الأولى
والتكوين لعمل
الإخوان المسلمين في
السودان، والتي تطورت
مع مرور الزمن لتشق
صف الجماعة إلى حوالي
أربع مدارس كما هو
واقع الجماعة اليوم
في السودان.
كذلك
يلزم الباحث والمؤرخ
أن يتلمس بوادر
الانحراف عن منهج
الجماعة في الإصلاح
والتغيير وبناء
المجتمع المسلم،
وأدبياتها في مراحل
العمل الإصلاحي
وخطواته العملية حتى
يستطيع تقييم مسيرة
الجماعة وماوصلت إليه
بعض فصائلها التي
انحرفت عن منهاجها
ونظامها الحركي من
أوضاع جعلتها لا
تعتبر من جماعة
الإخوان المسلمين
العاملة في مختلف
أنحاء العالم
الإسلامي كما جاء في
نهاية عام 1986م في
تقرير من جهات غربية
معادية لحركة الإخوان
المسلمين العالمية،
وزع على السفارات
العربية بالخرطوم
مفاده إن حركة
(.....) لاتعتبر من
حركات الإخوان
المسلمين المحظورة في
مصر والعاملة في كثير
من الدول العربية،
ووصفها التقرير بأنها
حركة عصرية برجماتية
لاتصنف في خانة
الحركات المعادية
للغرب ونظامه السياسي
ومصالحه الاقتصادية.
(انظر صحيفة الأضواء
السودانية إرشيف
العام 1986م).
وإذا كان البعض يرى
أنهم كإسلاميين في
العالم الإسلامي لا
يرون في عدم التزامها
بمنهج الإخوان
المسلمين الحركي غبار
لوجود حركات أخرى
اختلفت مع الجماعة
الأم وقيادتها الأمر
الذي جعلهم يضعون
كثيرا من الآمال
والتطلعات لنجاحها
سياسيا واجتماعيا،
ودعموهم كل دعم سخي،
ولكن سرعان ما أثبتت
لهم الأيام الجزء
الثاني من التقرير
الغربي، وهو برغماتية
هذه الحركة (.....)
وعدم اختلافها مع
النظام الغربي
السياسي و الاقتصادي،
ورأوا حجم الانحراف
الكبير في سياسة أمر
العباد و البلاد، وما
أفرزه التفكير
البرغماتي من أوضاع
خطيرة ومدمرة،
فأدركوا مدى خطئهم
الفادح في مساندة هذه
الحركة بعد فوات
الأوان.
إن بؤر الخلاف يمكن
إجمالها فيما يلي:
أولا: الخلاف حول
الاسم والانتماء
الحركي لجماعة
الإخوان المسلمين
والذي وإن أخرج باكرا
من صف الجماعة من
رفضوا الاسم
والانتماء مثل بابكر
كرار وميرغني النصري
وغيرهم، إلا أن هناك
من بقي داخل صف
الجماعة وآثر
الاستمرار حركيا في
صف الجماعة مع قناعته
بشئ خطير وهو سودانية
الحركة وعدم خضوعها
أو ارتباطها بأي ولاء
أو قيادة خارجية،
وهؤلاء ظلوا يحملون
هذا المفهوم، وتعمق
أكثر بعد محنة
الإخوان المسلمين في
مصر (1956 ـ 1973م)
وعدم وجود قيادة
مركزية معلنة، لكن مع
مرور الزمن وجد هؤلاء
أنهم كانوا مخطئين في
تقديرهم وفهمهم خاصة
بعد أن ظهرت لهم
الانحرافات في مسيرة
الجماعة وتحولها إلى
حزب سياسي مجرد عن
الارتباط الفكري
والدعوي بثوابت
الجماعة وأصول
منهاجها.
ثانيا: الخلاف حول
المرحلية والتدرج في
العمل الدعوي
والسياسي، ومن ثم
البداية الخاطئة
للعمل، حيث تم
التركيز على العمل
السياسي بالكيفية
التي تعمل بها
الأحزاب السياسية حتى
تحولت الجماعة شيئا
فشيئا إلى حزب سياسي،
والسبب الأساسي في
تلكم البداية هو أن
الحركة السودانية
بدأت من حيث الوضع
الذي انتهت إليه
جماعة الإخوان
المسلمين في مصر، فلم
تبدأ البداية
الطبيعية بخلايا
تربوية منظمة وعمل
داخلي مركز، و
التركيز على نشر
الدعوة في قرى ونجوع
السودان المختلفة،
كما فعلت حركة
الإخوان المسلمين في
مصر (1928م ـ 1949م)
والتي لما ولجت ميدان
العمل السياسي كانت
لها قواعد في كل
مكونات المجتمع
المصرى رجالا ونساءا
شيبا وشبابا طلابا
وفلاحين وعمال وأطباء
ومهندسين، وصار
للجماعة في مصر وزن
قوي يؤهلها لقيادة
عمل سياسي متكامل وصل
حد المواجهة العسكرية
مع الاستعمار ثم مع
العصابات اليهودية في
فلسطين، فضلا عن
الوزن السياسي الذي
جعلها تفوق كل
الأحزاب السياسية
وعلى رأسها الوفد.
والخلاف حول أمر
البداية وكيفياتها
قاد في نهاية الأمر
إلى التنكر للعمل
التربوي والنشاط
الداخلي لبناء
الشخصية الإسلامية،
وجعل الجماعة تقدم
نماذج ظاهرها إسلامي
وباطنها بعضه رأسمالي
ديمقراطي، وبعضه
اشتراكي، وفتح الباب
لاختراق حركات هدامة
صف الجماعة، مثل
التيار العصري الذي
قلب الأمر كله في
النهاية رأسا على
عقب، حيث جعل إطار
التغيير هو المنهج
والعقيدة وثوابت
الدين لتوافق العصر و
تلحق بالحضارة
الغربية الزائفة، وقد
برزت في أبريل 1969م
في المؤتمر الشهير
الدعوة إلى التخلي عن
جماعة الإخوان
المسلمين، والاكتفاء
بجبهة الميثاق
الإسلامي التي كانت
واجهة العمل السياسي،
والتبرؤ صراحة من
منهج الإخوان
المسلمين القائم على
التربية والتدرج في
الخطوات وبناء
الشخصية الإسلامية
على ثوابت الدين
وقواعده المتينة
لتغيير الواقع القائم
وصد تيار التغريب
المنهزم أمام بريق
الحضارة الغربية
الزائفة.
وسنورد مكانه أهم
مداولات هذا المؤتمر
الخطير والذي نجم عنه
الانقسام الكبير بين
حركة الإخوان بقيادة
د. محمد صالح عمر ود.
جعفر ميرغني ود. جعفر
شيخ إدريس ود. مالك
بدري.. وغيرهم، وجبهة
الميثاق الإسلامي
بقيادة د. حسن
الترابي ويسن عمر
الإمام وعبد الرحيم
حمدي.. وآخرين. ولولا
الانقلاب الشيوعي
الذي وقع بعد شهر من
المؤتمر في مايو
1969م والذي أجل
إعلان هذا الانقسام
والتمايز عشر سنوات
أخرى حتى عام 1979م؛
لكانت الأمور قد حسمت
مبكرا، والتمايز كان
شاملا ولله في هذا
الأمر حكم نقف عندها
في محلها بإذن الله
تعالى.
ثالثا: الخلاف حول
العمل بطريقة صفوية
انتقائية تركز على
المثقفين من طلاب
ومعلمين وأساتذة
جامعات والذين كانوا
يدور حولهم صراع
القوى السياسية خاصة
تيار اليسار. أم
العمل بطريقة شاملة
انفتاحية تتوازن في
بناء الجماعة من كل
مكونات المجتمع.
واشتد الخلاف مطلع
الخمسينيات بين تيار
طلاب الجامعة الذين
بدأوا في إطار حركة
التحرير الإسلامي، ثم
التحقوا كما أسلفت
بحركة الإخوان
المسلمين، وبين تيار
الحركة الشعبية
الواسعة بقيادة الشيخ
علي طالب الله رحمه
الله.
وفي رأيي أن تيار
الشيخ علي طالب الله
الذي رعاه الإخوان
المسلمين في مصر كان
ضعيفا أمام المد
الوطني والسياسي
العام ونشاط التيار
اليساري في الجامعات
مما جعل التيار
الصفوي يقضي عليه
ويبعد الشيخ علي طالب
الله بل يقطع صلته
بالجماعة. والحقيقة
أن هذا الخلاف المبكر
هو الذي قاد في نهاية
الأمر إلى الخلاف حول
الاسم والارتباط
بقيادة الجماعة في
مصر والتوسع في العمل
السياسي وإضعاف خط
البناء المتوازن مما
عمق الخلاف لاحقا بين
تيار الإخوان وتيار
جبهة الميثاق
الإسلامي فيما بعد.
والأهم أن بؤر الخلاف
شكلت بوادر الانحراف
التي كان الناس لا
يدركونها إلا بعد
فوات الأوان، ومن ثم
يصبح التمايز
والانشقاق ضرورة من
الضرورات حتى تكونت
المدارس والكيانات
الحالية التي لا يجمع
بينها إلا كونها
تيارات مسلمين لاغير.
ونواصل |