|
أجرى الحوار: حسن عبد
الحميد
الشيخ عيسى مكي عثمان
أزرق حفيد الأمير
عثمان أزرق أحد قواد
المهدية، ولد الشيخ
عيسى بأم درمان في
العام 1931م، ونشأ في
أسرة متدينة، والتحق
الشيخ عيسى مكي بدعوة
الإخوان المسلمين ضمن
الرعيل الأول من
الدعاة في العام
1951م، وتدرج الشيخ
عيسى في السلم
القيادي للجماعة فكان
مسئولا عن أم درمان
في خسمينيات القرن
الماضي، ووصل لاحقا
إلى عضوية المكتب
التنفيذي وشغل في
فترة من الفترات منصب
نائب أمير جماعة
الإخوان المسلمين في
السودان، وظل وفيا
لدعوته وفكرته إلى
اليوم، يهتم الشيخ
عيسى اهتماما خاصا
بتاريخ الدعوة في
السودان، ويحتفظ
بأكثر من ألفين وثيقة
من وثائق جماعة
الإخوان في السودان،
وقد أثبت بعضها في
كتاب له صدر عن تاريخ
الإخوان في السودان
في الفترة من 1953
إلى 1980م ولازال
يحتفظ بمعظم أصول هذه
الوثائق، يؤلمه أن
يتحدث البعض عن تاريخ
الدعوة من الذاكرة
أحيانا ودون توثيق
كما يمتعض من محاولة
البعض الحديث عن
ذواتهم يخلطونه
بالحديث عن الجماعة.
جلسنا إليه في داره
العامرة بالخرطوم
بحري الحلفايا نقلب
معه صفحات التاريخ،
وانتقينا بعض المحطات
لنسلط عليها الضوء
واكتفينا بالنذر
اليسير من الذكريات
لأن ما يختزنه الشيخ
يحتاج إلى كتب كثيرة
للإحاطة به.
* بداية كيف كان
التحاقكم بجماعة
الإخوان المسلمين،
ومتى كان ذلك؟
ــ التحقت بجماعة
الإخوان المسلمين في
العام 1951م، وكنت في
ذلك الوقت في مدينة
الفاشر أعمل محاسبا
في الحكومة، وكنت
أفكر في تأسيس جماعة
إسلامية، فالتقيت في
العام 1951م بالأخ
عبد الله زكريا، وقمت
بدعوته للعمل
الإسلامي وللجماعة
التي كنت أنوي
تأسيسها، فوجدته
منتميا للحركة
الإسلامية بجامعة
الخرطوم، والتي كانت
تعمل آنذاك باسم حركة
التحرير الإسلامي،
واتفقنا أن أعمل معه
ويعمل معي، ولأني لم
يكن لديَّ جماعة وجدت
نفسي أعمل معه في
جماعته، ومنذ ذلك
الحين التحقت بجماعة
الإخوان المسلمين
التي تبلورت بهذا
الاسم لاحقا في مؤتمر
1954م.
* كيف كانت بدايات
الإخوان المسلمين في
السودان؟
ــ كان أول من جاء من
مصر مبشرا بدعوة
الإخوان المسلمين في
السودان هو الأستاذ
جمال السنهوري؛ إذ
جاء إلى السودان في
العام 1944م ومن معه
داعين إلى فكرة
الإخوان المسلمين،
وقد كان خطيبا مفوها
وكان لذلك أثر في
نفوس السامعين. وقد
كان لتلك الزيارة
أثرا طيبا إذ تكونت
بعدها أسر للإخوان في
كل من أم درمان
والخرطوم والفاشر
وغيرها من المدن
السودانية. وكان أبرز
القائمين على الدعوة
في السودان الأستاذ
علي طالب الله الذي
تم تعيينه من قبل
المركز العام للجماعة
في مصر مراقبا عاما
للإخوان المسلمين في
السودان. ثم أعقبتها
زيارة من الأستاذ عبد
الحكيم عابدين وكيل
الجماعة في مصر برفقة
الأستاذ السنهوري في
العام 1948م.
وقد نشأ تيار وعي
إسلامي بجامعة
الخرطوم يقوده بابكر
كرار ومن رواد هذا
الاتجاه عبد الله
زكريا ويوسف حسن سعيد
ومحمد يوسف وأحمد
محمد بابكر والرشيد
الطاهر، أما خارج
الجامعة فكان هناك
رواد أمثال الأستاذ
عزالدين الشيخ وعلي
طالب الله وحامد عمر
الإمام في أم درمان،
وفي بحري أحمد شريف
وعباس حسن التوم، وفي
الأبيض إبراهيم أبو
حسنين وعبد القادر
الدقيل، وفي الفاشر
أحمد بابكر حسن وعيسى
مكي وجعفر محمد علي
بخيت، وفي الخرطوم
عبد الرحمن رحمة
وصلاح أبو النجا، وفي
مدني محمد سالم، وفي
بورتسودان الريح
الفاضل وإبراهيم
رحمة، وفي عطبرة علي
نور الدين... وغيرهم.
* كان مؤتمر 1954م
نقطة فاصلة في تاريخ
جماعة الإخوان
المسلمين في السودان،
ويؤرخ له كأول مؤتمر
اتفق فيه المؤتمرون
على اسم الإخوان،
فكيف جرت الأمور في
ذلكم المؤتمر؟
ـــ تم تكوين لجنة
بعضوية إبراهيم
هارون، وعيسى مكي،
وأحمد عوض الكريم
للإعداد لمؤتمر
الجماعة في العام
1954م، وفعلا انعقد
المؤتمر بعضوية (47)
يمثلون الأقاليم،
و(15) يمثلون العاصمة
و(10) للطلاب، و(12)
لمن لم يتم تمثيلهم
من شعبهم مصعدين
مباشرة للمؤتمر
العام.
وفي صبيحة ثاني أيام
العيد المبارك من ذي
الحجة 1373هـ بدأت
وفود الإخوان تصل
تباعا إلى نادي أم
درمان الثقافي الذي
أصبح بمثابة المركز
العام، وقد حضر بعض
تلاميذ بابكر كرار،
وتخلف بعض ممثلي طلاب
مصر، ومثل إخوان
الخرطوم بحري أحمد
شريف، وعباس حسن
التوم، ومحمد أحمد،
ومثل إخوان الخرطوم
زين العابدين بلال،
وصلاح أبو النجا،
وعمر بخيت، ومثل أم
درمان أحمد محمد
بابكر، ومحمد خير عبد
القادر، وعيسى مكي،
وياسين عمر الإمام،
وإبراهيم هارون،
وأحمد عوض الكريم،
ومثل الأبيض عثمان
الدقيل، والفاشر الأخ
سليمان عبد الله،
ومثل بورتسودان الأخ
عبد الحميد إسماعيل،
وكان من ممثلي الطلاب
ميرغني النصري، ودفع
الله الحاج يوسف،
وعبد الله زكريا،
وعشرات المندوبين مما
يضيق المجال عن
ذكرهم.
واتفق المؤتمر بعد
نقاش على اختيار اسم
الإخوان المسلمين مع
استقلالها إداريا عن
أي جماعة أخرى،
فانسحب بعض تلاميذ
بابكر كرار الذين لم
يكونوا راضين عن
تسمية الجماعة
بالإخوان المسلمين.
وتم انتخاب مكتب
إداري برئاسة محمد
خير عبد القادر الذي
يعتبر أول أمين عام
لجماعة الإخوان
المسلمين بالسودان.
* بجانب ذلك كانت
للإخوان مساهماتهم
المبكرة في العمل
العام من خلال جبهة
الدستور الإسلامي.
ــ قرر الإخوان منحى
عمليا بالدعوة لوضع
دستور إسلامي، وأن
يكون ذلك عبر تجمع
إسلامي عريض يضم كل
العناصر الدينية في
البلد، وفي يوم
10/12/1955م اجتمع
مندوبون لجماعة
الإخوان المسلمين،
وجماعة التبشير،
وجماعة المحافظة على
القرآن، وجماعة أنصار
السُنة المحمدية،
وممثلون للأنصار
والختمية لتأسيس
الجبهة الإسلامية
للدستور، واختير الأخ
عمر بخيت العوض
سكرتيرا للجبهة، وقد
كان عمر بخيت مساعدا
للرشيد الطاهر في
المكتب الإداري
حينذاك. وانطلقت
الجبهة تقيم الندوات
في أنحاء السودان
وترسل الوفود
للأقاليم للدعوة
للدستور الإسلامي،
كما اتصلت بالسيدين
علي الميرغني وعبد
الرحمن المهدي،
اللذان باركا الدعوة
دون أن يقدما لها ما
يتطلبه الموقف من
الجهد والتحرك
والتأييد.
* أيضا في
الديمقراطية الثانية
بعد أكتوبر 1964م خاض
الإخوان العمل العام
باسم جبهة الميثاق
الإسلامي كواجهة
سياسية للجماعة.
ــ بعد أكتوبر 1964م
تم تكوين جبهة
الميثاق الإسلامي
كواجهة للعمل
السياسي، ويحققون من
خلالها بث دعوة الله
بين الجماهير، ولم
يتبادر إلى أذهان
الإخوان أن تكون
الجبهة بديلا عن
الجماعة ولا عن
منهاجها الجماهيري
بديلا عن المنهج
الإعدادي التربوي.
* قبل ذلك كيف كان
بروز الترابي في
قيادة الإخوان في ذلك
الزمن؟
ــ في يوم من أيام
مايو 1962م اجتمع
أعضاء الهيئة
التأسيسية وغيرهم من
الإخوان من العاصمة
والأقاليم ومن
العناصر الشابة التي
برزت في الساحة وذلك
في أول لقاء كبير دعي
له بعد قيام الحكم
العسكري في نوفمبر
1958م، وقد استضاف
المؤتمر الأخ عثمان
خالد في أحد مزارع
العيلفون الوارفة،
وترأس الجلسات يوسف
الخليفة أبوبكر، وكان
أول ما بدأ به
المؤتمر هو تعديل
الدستور، واستمرت
الجلسات في قراءة كل
بند ونص، وبعد
الجلسات الأولى وصل
حسن الترابي وقد كان
خارج القطر في
دراساته العليا، وبعد
حضوره كان يشارك
برأيه في كل تعديل
وكان أكثر المشاركين
حماسة وفصاحة وحديثا
وسردا للنصوص
القانونية، بل كان
أكثر الجالسين حرصا
على توجيه وقيادة
هؤلاء الإخوة الذين
أتى أكثرهم للمؤتمر
دون أن يكون في ذهنهم
فكرة مسبقة عما يجب
أن يفعل في أمر كبير
تعديل الدستور. وكان
يجلس بجانبي علي
محمود حسنين الذي
لاحظ تصدي الترابي
لتعديل كل البنود،
فانسحب من الجلسة
قائلا: هذا الرجل
سيكون مصيبة على
الإخوان المسلمين.
* مؤتمر أبريل 1969م
أيضا كان من
المؤتمرات الفاصلة في
تاريخ جماعة الإخوان
المسلمين، فماهي
الخلفيات التي انعقد
في ظلها المؤتمر وعن
ماذا تمخض؟
ـــ في الخامس عشر من
أبريل 1969م توافد
حوالي (258) مندوبا
من شعب الإخوان
المسلمين نحو النادي
الثقافي الإسلامي
بالخرطوم بحري، وهم
الأعضاء المختارون
لعضوية المؤتمر العام
بجانب أعضاء المكتب
التنفيذي وأعضاء مجلس
الشورى مع سكرتارية
مختارة. وفي حوالي
الساعة الخامسة مساء
أخذوا مقاعدهم بداية
لجلسة المؤتمر في جو
مفعم بالتهيب
والإكبار وتجيش
النفوس بكوامن شتى
ويتبلد المجال بسحب
داكنة ولم يكن أحد
يدري كنه المسار ولا
ما سيكون. وقد كان
هناك صراع بين تيارين
داخل الإخوان: تيار
التربية ويقوده محمد
صالح عمر ومالك بدري
وجعفر شيخ أدريس،
وتيار العمل السياسي
المفتوح بقيادة
الترابي وعبد الرحيم
حمدي.
افتتح مقرر اللجنة
المكلفة عيسى مكي
الجلسة بكلمة مقتضبة
أبان فيها شيئا من
عمل اللجنة ثم طلب من
المؤتمرين اختيار
رئيس لهذا المؤتمر،
واختار دفع الله
الحاج يوسف الذي تمت
تزكيته بما يشبه
الإجماع.
وفي الجلسة الأولى
طلب الأخ مالك بدري
الإذن بالحديث وعند
المنصة تحدث عن
انطباعاته عما جرى،
ثم أعلن انسحابه من
المؤتمر وغادر المكان
ورفع شعار (فليسعك
بيتك وابك على
خطيئتك) وبذا يكون
الإخوان (الاتجاه
التربوي) قد افتقدوا
في ذلك الخضم العصيب
فكرا فذا وشخصية
مرموقة بين الإخوان
وسندا قويا، خاصة وقد
أعقب ذلك أيضا ذهاب
الأخ محمد مدني سبال
بعد اليوم الأول بلا
عودة للمؤتمر مؤثرا
الانصراف والسلامة،
وكذلك افتقد الإخوان
الأخ محمد صالح عمر
الذي لم يحضر المؤتمر
لوجوده في المعسكرات
التدريبية في فلسطين،
وقد كان لاختفاء هذه
الدعامات الثلاث أكبر
الأثر فيما حدث من
بعد.
وكان موقف المؤيدين
للعمل التربوي أن راح
منهم قائد مسيرتهم
محمد صالح، ووقف جعفر
شيخ إدريس مهيض
الجناح، واعتذر مالك
بدري، ولزم سبال
بيته، وبقى سبعة عشر
على رأسهم محمد يوسف
وفيهم عيسى مكي،
ومبارك قسم الله،
ومحمد علي سعيد، وعبد
الرحمن رحمة، وأحمد
التيجاني، وأحمد
كامل، ومحمد محمد علي
حامد. ووقف جعفر
ميرغني على رأس
مجموعة كبيرة من
الطلاب كان لهم وزن
ثقيل ووقفوا موقفا
سلبيا.
بدأت الأجندة
بالاستماع لتقارير
الأقاليم المختلفة
وتقرير أمين مكتب
العاصمة ونقاشها، وقد
نال تقرير مديرية
كسلا تقديرا كبيرا
لاستيفائه بدراسة
جيدة واحتوائه
لإحصائيات كافية ولم
ينل تقرير أمين
العاصمة الرضى.
ورأى البعض أن يضعوا
الثقة في محلها الذي
هو محل لها والتي هي
أهل له في الرجل
السند الذي ما شارك
في خلاف ولا جُرح
بكلمة ولا جرّح بكلمة
وهو الأخ صادق عبد
الله عبد الماجد،
وذلكم هو المخرج من
(جعفر وحسن) و(محمد
صالح وحمدي). ولكن
الأخ صادق أبى ورفض
هذا الأجماع، ورجع
القوم في حيرتهم
يترددون، وانقسم
الناس شللا يتشاورون.
وعندما تساوت الكفتان
وبدأت الأمور تتضح
وأصابت الحيرة بعضا
والشفقة آخرين، وضجت
القاعة بزفرات الغضب،
وكاد دفع الله ييأس؛
انطلق صوت ينادي
الجميع أن يصمتوا
فهناك أمر جديد وخطب
جليل، وعلا الأخ عبد
الرحيم حمدي المنصة،
وبعد لأي وجهد تلاشت
الأصوات وسكت الناس
ليسمعوا ما الجديد في
الأمر؟ أنصتوا له،
وبصوت رزين هادي
يشوبه حزن مفتعل أعلن
حمدي أنه هو والأخ
حسن الترابي وحسماً
للإشكال قررا
استقالتهما من
الجماعة منذ الآن.
انفجر الموقف فجأة
وتحول إلى موجة حزن
طاغية، الجميع يبكون
بكاءً حاراً، بعضهم
جرى نحو الحيطان
والحائط الغربي من
الدار يتوسدون الأرض
في شهيق وزفرات،
بعضهم يحتضن بعضا
تكاد دموعهم تختلط
أسى وحزنا، موجة من
العاطفة اكتسحت كل
شيء، عند ذلك جاءني
إبراهيم أبو حسنين
قائلا (الآن خسرنا
المعركة).
ونودي للصلاة، وبعد
الصلاة أعلن عن سحب
الاستقالتين ومواصلة
جلسات المؤتمر،
وجلسوا في سكينة
وهدوء، وقدمت الأسماء
التي كان يظن أنها
أدخلت الجماعة في هذا
المعترك لأخذ الثقة
فيهم بالتصويت،
ليأخذوا جزاءهم عادلا
من المؤتمر، وفازت كل
الأصوات التي قدمت
بثقة المؤتمر، ماعدا
الأخ جعفر شيخ إدريس
الذي تقرر فصله من
الجماعة بالأغلبية.
شيخ الهدية أهدى كل
النزلاء وعساكر السجن
بطاطين
.
قال زميلي للمعتقلين
السياسيين لو التقيتم
خارج السجن كما
تلتقون داخله لحُلت
مشاكل السودان
الشيخ هلال أب عاشة
كان زعيما حقيقيا
تعلوه الهيبة
المقدوم يوسف تصدى
للطاغية الأنجليزي
الذي أراد نشر
النصرانية في دارفور
بسيفه
لا مقارنة بين أوضاع
السجون في السودان
مقارنة ببعض دول
الجوار
خالد الكد كان أفضل
من يشدو بمدائح
الختمية في المعتقل
الأيام الأولى مديرا
لسجن كوبر
* سعادة اللواء
الكامل.. أين كنت يوم
30 يونيو 1989م؟
ــ
كنت في الخرطوم، وكنت
مقدم طلب لإعفائي من
الخدمة لظروف خاصة،
وكنت وقتها مديرا
لسجون الإقليم
الشمالي الذي يشمل
ولايتي نهر النيل
والولاية الشمالية
الآن، ورئاستها في
الدامر، ولكني عدت
إلى الدامر بعد يومين
أو ثلاثة أيام من
قيام الثورة.
وبعد أيام ظهر كشف
أحيلت به الدفعة
أمامنا في السجون إلى
الصالح العام ـ كل
الدفعة ـ وآلت الأمور
في السجون إلى
دفعتنا، ثم نقلت
بعدها مديرا لسجن
كوبر وشغلت المنصب
لأكثر من سنة ونصف
بعدها، واستلمت حينها
إدارة السجن من
العقيد موسى الماحي
الذي كان مديرا لسجن
كوبر بالإنابة، وكنت
حينها في رتبة عميد.
* ماذا كان يدور
بذهنك عندما استلمت
إدارة سجن كوبر أشهر
سجون السودان وأكبرها
في تلك الظروف الصعبة
المحيطة بالسودان في
الأيام الأولى لثورة
الإنقاذ؟
ــ استلمت إدارة سجن
كوبر، وكنت استشعر
المهمة الصعبة التي
أقدم عليها لأن كل
القادة السياسيين في
تلك الأيام كانوا
ضيوفا علينا في سجن
كوبر من أمثال
الدكتور الترابي،
والصادق المهدي،
ومحمد عثمان
الميرغني، ومحمد
إبراهيم نقد، وعمر
نور الدائم، وأحمد
عبد الرحمن، وعبد
الرحمن نقد الله،
وسيد أحمد الحسين...
وغيرهم الكثيرون
وكانوا تقريبا كل
الصف الأول من كل حزب
سياسي.
* ماذا دار في أول
لقاء لك مع المعتقلين
السياسيين بسجن كوبر؟
ــ في أول لقاء لي مع
المعتقلين السياسيين
مررت عليهم وكنت
مركزا على نقطتين:
الأولى كنت أريد أن
أشرح لهم أننا في
السجن لسنا الجهة
التي اعتقلتهم.
والثانية أننا لسنا ـ
بالتالي ـ الجهة التي
تتولى الإفراج عنهم.
ومهمتنا تنحصر في أن
الفترة التي يقضونها
معنا نحاول أن تكون
فترة مريحة، ويكون
هناك تعاون بيننا حتى
تمر هذه الفترة
بسلام. وأذكر أن
الأستاذ أحمد عبد
الرحمن لم يكن موجودا
أثناء هذا اللقاء
لأنه كان يتم علاجه
بالمستشفى خارج
السجن، ولكن عندما
عاد وحكوا له عن
اللقاء جاءني في
مكتبي ليشكرني،
وأخبرني أن حديثي
لاقى صدى طيبا في
نفوس المعتقلين.
* سعادة اللواء كيف
كانت معاملتكم
للمعتقلين السياسيين؟
ـــ كانت المعاملة
للمعتقلين ممتازة جدا
ومريحة، وكان هناك
تعاون بين المعتقلين
السياسيين والإدارة،
وكمثال أذكر أنه في
تلك الأيام كانت هناك
أزمة خبز، فذهبت
وناديت معتقلا شابا
كان مسئولا عن
المعتقلين السياسيين
وعن تنظيم شئونهم
الداخلية وأظنه كان
شيوعيا ـ وقد توفي
الآن رحمه الله ـ
وبالمناسبة هم الذين
يختارونه لتنظيم
شئونهم، فحكيت له عن
أزمة الخبز، وأخبرته
بأننا سنأتي لهم
بكسرة هذا اليوم،
فرحب بالأمر وقال لي
الكسرة أفضل لنا،
وأذكر أني ذهبت إلى
سوق الخرطوم (2)
واشتريت كل الكسرة
هناك، وكان بالسجن
يومها حوالي (250)
معتقلا سياسيا.
برنامج المعتقلين
السياسيين
* كيف كان يمضي
البرنامج اليومي
للمعتقلين السياسيين
وقتها.؟
ــ في كل قسم هناك
ضابط صف مسئول عن
الشئون والإدارة
الداخلية للقسم،
وعادة يبدأ المعتقلون
يومهم بصلاة الفجر،
ثم تناول الشاي، ثم
يمارسون الرياضة داخل
سور السجن بما فيها
كرة القدم، ثم يطلعون
على الكتب التي
يجلبونها من الخارج،
وإدار السجن تسمح
للمعتقل السياسي
بقراءة الكتب التي
يطلبها بعد أن تمر
على الإدارة، ولهم
لائحة غذاءات خاصة
مختلفة عن المساجين،
وحسب لائحة السجن فإن
المعتقلين السياسيين
لا يشتغلون كبقية
المساجين، وعند وجبة
الطعام تجدهم يختلطون
بعضهم ببعض ويختارون
من يجالسونه بغض
النظر عن لونه
الحزبي؛ فمثلا تجد
الترابي والصادق
المهدي ومحمد عثمان
الميرغني ونقد
يتناولون طعامهم
معا،وأذكر أن أحد
زملاءنا خاطبهم قائلا
لو كنتم في الحياة
العامة تعاملون بعضكم
بهذا الأسلوب لانصلحت
أحوال السودان، وتجد
شباب المعتقلين
السياسيين يأكلون معا
أيضا دون اعتبار
للون السياسي، وبعد
الفطر ينخرطون في
قيلولة إلى صلاة
الظهر، ثم يشرع كل
واحد منهم في برنامج
خاص إلى الغداء، ثم
صلاة العصر، وفي
الأمسيات بعضهم يلعب
مع زملائه ألعاب
التسلية العامة
كالشطرنج، وبعضهم
يقيم حلقات تثقيفية
داخلية، وبعضهم ينتظم
في حلقات تلاوة
القرآن الكريم، وفي
الليالي بعضهم يقدم
المدائح النبوية، ومن
أفضل من يقدم مدائح
الختمية خالد الكد
الشيوعي المعروف،
وذات مرة قال الأستاذ
نقد للميرغني هذا
الكد غلبت عليه
شايقيته وعاد ختميا،
وقد تنازلنا لكم عنه،
وأذكر أن الكد في آخر
أيام حياته تغير
تغييرا واسعا وبدأ
يطلع على الكتب
الدينية قبل أن يلقى
ربه في حادث سير
بلندن. ولدى
المعتقلين السياسيين
جهاز تلفزيون يشغلونه
متى شاءوا، والسجن
مهيأ بأسرة لكل معتقل
ومراتب وأغطية، ونهتم
بعلاجهم إذا تم
التبليغ عن مريض
بمستشفى السجن أو يتم
تحويلهم عند الضرورة
إلى مستشفى خارج
السجن.
* هل حدثت احتكاكات
بينكم وبين المعتقلين
السياسيين في تلك
الأيام؟
ــ أخبرني زميلي
العقيد ـ يومها ـ
موسى أحمد الماحي أن
الترابي كانت داخلة
له كتب من الخارج،
وحسب قانون السجن يجب
أن تمر الكتب على
الضابط المسئول، وذات
مرة دخل العقيد موسى
إلى قسم الترابي
فقابله الترابي بصورة
غير ودية، وعندما
استفسر منه عن هذه
المعاملة قال له
الترابي لماذا تحجز
كتبي، فأخبره أنه من
حقه كضابط بالسجن أن
يطلع عليها قبل أن
تصل إليه، فأجابه
الترابي أنا أعرف أن
لك منطلقات فكرية
فأنت شيوعي!! بعدها
وضع العقيد موسى
الترابي في زنزانة
خاصة في حبس انفرادي،
لكنه أخرجه بعد
أسبوع، وكان يحق له
حسب قانون السجن أن
يحبسه لمدة ستة شهور.
الأعمار بيد الله
* في جو السجن الصارم
والصعب تمر عليكم
مواقف إنسانية، فهل
تذكر موقفا لا زال
عالقا بالذاكرة حتى
اليوم؟
ــ أذكر أن الدكتور
مأمون محمد حسين كان
قائدا لإضراب
الأطباء، وتم اعتقاله
والحكم عليه
بالإعدام، فأنزلناه
في قسم المحكوم عليهم
بالإعدام، وحسب
اللائحة كان يعامل
كمسجون لا كمعتقل
سياسي. وفي ذات يوم
وأذكر أنه كان يوم
ثلاثاء جاء لزيارته
طبيب من بورتسودان
إخصائي نساء وتوليد
اسمه دكتور عثمان،
وعندما رأي دكتور
مأمون بملابس السجن
انهار وأخذ يبكي،
وبدأ دكتور مأمون
يهدئه ويطمئنه قائلا
إن الأعمار بيد الله
تعالى، وقد تموت أنت
قبلي رغم أني محكوم
عليّ بالإعدام. وأذكر
أني في يوم السبت
الذي تلا هذه الحادثة
كنت في مرور عادي على
الأقسام، فناداني
دكتور مأمون وقال
أتذكر دكتور عثمان
الذي جاء لزيارتي من
بورتسودان، قلت له
نعم قال لي لقد جاءت
زوجته لتوقظه أول أمس
الخميس ووجدته ميتا.والدكتورمأمون
لازال حتى اليوم حيا.
أيضا مما أذكره ولا
أنساه أن الدكتور
الترابي كان متعودا
أن يصوم كل اثنين
وخميس بالسجن، وكان
من يعد له طعام
الإفطار هو الأستاذ
محمد إبراهيم نقد.
شيخ الهدية يهدي
المساجين والعساكر
بطاطين
* بمناسبة الأستاذ
نقد.. متى التقيت به
أول مرة، وهل حدثت لك
معه حكايات من أي
نوع؟
ــ أول مرة رأيت فيها
الأستاذ نقد كان في
الكرنتينة وهو قسم به
المعتقلون السياسيون،
وكان مستغرقا في
قراءة مصحف بالحجم
الكبير، حتى أنه لم
ينتبه لوقوفنا أمامه،
وبالنسبة لي كان
المنظر غريبا. ولي
حادثة أخرى عجيبة معه
فقد كنت في مرور على
المساجين، وتقدم لي
أحد أبناء الإقليم
الجنوبي من المساجين
بشكوى مفادها أن
أبونا (ويقصد القسيس)
قد جاء لنا ببطاطين،
لكن إدارة السجن قامت
بمصادرتها، وحينها
انفعلت وغضبت وسألت
عن سبب المصادرة،
فهدأني أحد الضباط
وتنحى بي جانبا ليشرح
لي أن البطاطين كانت
محدودة ومخصصة لبعض
المساجين فقط، مما
يثير حساسية فقمنا
بمصادرتها حتى لا
نوغر صدور بعض
المساجين، فرجعت إلى
الأخ الجنوبي وشرحت
له أننا هنا في السجن
نعامل الجميع بدرجة
واحدة بغض النظر عن
العرق أو الدين أو
الجهة، وذكرت له أن
بعض المنظمات
الإسلامية بصدد
التبرع لنا ببطاطين،
وسنوزعها على الجميع
دون استثناء، ولم يكن
في بالي أي جمعية
إسلامية ستتبرع
ببطاطين ولكن كنت أود
تطييب الخواطر، وبعد
ساعة وصلني بلاغ بأن
الأستاذ نقد يود
مقابلتي في مكتبي
فأذنت له، ولما جاءني
أخبرني بأن الكلام
الذي ذكرته في قسم
المحكومين عن
البطاطين، وقدم لي
اقتراحا محددا بأن
أذهب إلى الشيخ
الهدية وأحكي له
القصة، وهو سيحل
المشكلة، وفعلا أرسلت
أحد الضباط إلى الشيخ
الهدية، ولما جاءنا
في السجن أخبرناه
بأننا دخلنا في فصل
الشتاء وبحاجة إلى
بطاطين؛ فجاءنا في
اليوم الثاني ومعه
عبد القادر البلولة
صاحب مصنع البطاطين
الوطني ـ رحمه الله ـ
وسألنا عن عدد
النزلاء وعدد
العساكر، وفي اليوم
التالي أحضر بطاطين
لجميع النزلاء
والعساكر.
* مَن مِن المعتقلين
الآخرين لفت نظرك؟
ــ كنت أتمنى أن تتاح
لي فرصة للكتابة عن
الدكتور بهاء الدين
محمد إدريس، فهو رجل
مهذب جدا وصبور بدرجة
عجيبة، ومنذ أن دخل
السجن لم يخرج منه
قط، وذات يوم كان
مصابا بتورم في رجله،
وطلبنا منه الخروج
للعلاج خارج السجن
لكنه رفض.
الفرق واسع بين
سجوننا وسجونهم
* سعادة اللواء
الكامل.. بحكم منصبكم
زرتم العديد من الدول
ووقفتم على أوضاع
السجون والمساجين
فيها.. نود أن نجري
مقارنة سريعة وعامة
بين أحوال سجوننا
وأوضاع سجون البلاد
التي زرتها.
ــ لا مقارنة إطلاقا
بين سجوننا داخل
السودان وسجون بعض
دول الجوار التي
زرتها بحكم عملي.ففي
إحدى دول الجوار
كانوا يجمعون
المعتقلين السياسيين
مع المساجين
المحكومين في مكان
واحد، وقد حدثت حادثة
شهيرة فقد تم اعتقال
مسئول كبير سابق وزج
به في السجن مع
معتادي الإجرام، فسبه
أحدهم سبا مقذعا،
فانهار المسئول
السابق مما استدعى
تدخل المسئولين ونقله
إلى مكان آخر..وإحدى
الدول التي زرتها لم
يكونوا يلتزمون
بإطعام
المساجين..فإما أن
يتكفل أهل المسجون أو
المعتقل بإطعامه، أو
يذهب به العسكري
ليسأل الناس الطعام.
وفي إحدى الدول هناك
مناطق في السجن لم
يكن مسموحا لضباط
السجون أنفسهم
بدخولها.
الشيخ هلال أب عاشة...
الزعامة تمشي على
قدمين
* خارج الخرطوم...
كيف كان عملكم وماهي
المحطة التي تذكرها؟
ــ في العام 1967م تم
نقلي إلى سجن كتم
بشمال دارفور، وهناك
التقيت لأول مرة
بعمنا الشيخ هلال أب
عاشة ـ والد موسى
هلال ـ وهو رجل زعيم
بمعنى الكلمة، تعلوه
الهيبة، وكان بسيطا
جدا، يلبس دائما
العراقي والسروال فقط
ويحمل في يده سوطا،
وقد أخبروني قبل أن
ألتقي به أنه في أول
لقاء سيتستفزني، ربما
ليختبر صبري وخلقي،
وعندما التقيت به أول
مرة قال لي (شن
سموك؟) قلت له اسمي
الكامل، قال لي اسمك
سمح لكن عمايلك لسه
ما شفناها، قلت له إن
شاء تشوفها وتعجبك.
وعمنا هلال لم يكن
يفرق بين القبائل في
معاملته، فقد كانت
هناك مشكلة بين
قبيلته وقبيلة
الزغاوة في ذلك
الوقت، وتم اعتقال
عدد من أبناء قبيلته
بينهم ابنه حسن،
بالإضافة إلى مجموعة
من أبناء الزغاوة،
وكان عم هلال يأتي
إلى السجن ومعه خيرات
كثيرة وكان يوزعها
على جميع المساجين
دون النظر إلى
القبيلة، وأذكر ذات
مرة أن مجموعة من
موظفي الضرائب ومعهم
عساكر من الشرطة
كانوا في زيارة لإحدى
القبائل في دارفور،
وكان أفراد هذه
منشغلون بمناسبة
سعيدة ويطلقون النار
في الهواء دون أن
يأبهوا بالشرطة التي
أرادت أن تنبههم من
خلال آلات التنبيه
بالسيارة، فطلب عمنا
هلال أن ينزل من
العربة، وعندما نزل
أشار بسوطه إلى أفراد
القبيلة، فقفزوا
جميعهم من جمالهم
وخيولهم وتسابقوا
مرحبين بالشيخ هلال
الذي أخبرهم بأن
موظفي الحكومة يطلبون
منهم الضرائب،
فأعطوها لهم عن طيب
خاطر.
هددوا طاغية كتم
الإنجليزي بسيوفهم
* أهل دارفور معروف
عنهم الكراهية
الشديدة للمستعمر
الإنجليزي ومقاومتهم
العنيفة لمحاولات
تدجينهم أو
تنصيرهم... هل سمعت
من الحكايات هناك ما
يعضد هذه الآراء؟
ــ أيام الإنجليز كان
في كتم مفتش صعب اسمه
مستر مور، وكان يُلقب
بطاغية كتم، وأراد
هذا المفتش أن ينشر
النصرانية في دارفور،
فدعا زعماء القبائل
إلى داره، وكان بينهم
المقدوم يوسف مقدوم
شمال دارفور، وكان
يعلم بهدف المفتش من
الدعوة، وعندما حان
وقت المغرب، قام
المقدوم يوسف برفع
الأذان وصلى بدار
المفتش، وبعد الصلاة
رفع سيفه في وجه
المفتش مستر مور
قائلا: والله لو أردت
نشر النصرانية في
دارفور لمنعناك
بسيوفنا هذه. فتراجع
مور عن مشروعه، وهذا
حدث في وقت كان
الإنجليز لهم سطوة
على السطوة وفي ظل
هذا المفتش الطاغية،
وهذا يدل على أن أهل
دارفور لا يلعبون في
دينهم ولا يخشون أحدا
إذا انتهكت حرمات
الله، ومستعدون للموت
في سبيله.
في ختام هذا اللقاء
الممتع لا يسعنا إلا
أن نقدم جزيل الشكر
لسعادة اللواء
،ونسأل الله
أن تسمح لنا الأقدار
باللقاء معه مرة أخرى
...
|