في الولايات
المتحدة رفض
الحلاق التعامل
معي بحجة أني
زنجي.
طيلة أيام انقلاب
هاشم العطا كنت
في الكرنتينة فلم
يتمكنوا من
اعتقالي.
تناولت العشاء في
ناد لا يستطيع
الرئيس الأمريكي
أن يدخله.
الشيخ البروفسور أحمد
البيلي رئيس هيئة
علماء السودان وعضو
المجمع الفقهي شيخ
تجاوز الثمانين من
عمره؛ فقد ولد في
العام 1925م؛ لكنه ـ
ما شاء الله ـ يملك
روحا شابة، وذاكرة
متقدة تمسك بتفاصيل
كثيرة لأحداث مرت به،
يسرد لك كثيرا من
الجزئيات كأنها حدثت
له البارحة.
زرته
في مكتبه بالهيئة
القضائية أكثر من
مرة، وفي كل مرة كان
له حديث لا يُمل
يطوّف بك في التاريخ
والسياسية والعلوم
الشرعية والقضاء في
سلاسة وعذوبة. كان
لنا معه في نهار
رمضان هذه الدردشة
الخفيفة.
*
فضيلة الشيخ
البروفسور أحمد
البيلي.. هل تذكر أول
رمضان قمت بصيامه؟
ـــ
أول رمضان صمته كان
في العام 1936م، وكان
عمري آنذاك إحدى عشر
سنة، وكنت أدرس في
كتّاب المعهد العلمي
بأمدرمان، و أقيم مع
خالي الشيخ المكي
البكري شيخ الطريقة
القادرية، وكنا نقيم
بحي الغنادير، وهو
الحي الذي يقع غرب
مستشفى التيجاني
الماحي، وشرق الخور
الذي يقع غربه مسجد
فيصل، وكان اسمه حي
برمبل أيام الانجليز،
وبرمبل هذا كان مفتشا
لأمدرمان ظل في منصبه
زمنا طويلا. وأذكر أن
ذلك العام صادف رمضان
حر شديد، وكنا نبلّ
الثياب بالماء
ونعصرها ثم نتغطى بها،
وحينما تجف نقوم
ببلّها مرة أخرى
وهكذا طول اليوم،
ولكننا لم نكن نذهب
إلى النيل وقتها.
* في
بداية الستينيات
ذهبتم إلى الولايات
المتحدة في بعثة من
وزارة التربية
والتعليم، ماهي
المتاعب التي
واجهتموها في ذلك
الزمن المبكر وهي
الزيارة الأولى لكم
للولايات المتحدة؟
ــ
ذهبت في بعثة إلى
الولايات المتحدة
الأمريكية بين
العامين 1961م و1963م
وكنت أقيم بواشنطن
العاصمة،و كان هناك
عرب كثيرون، لكن
حيّنا لم يكن به
سودانيون.
في
بداية وصولي للولايات
المتحدة بدأت المتاعب
عندما حاولت أن
أستأجر بيتا، ولكن
صاحبة العقار رفضت أن
تؤجر لي بحجة أنني
زنجي، و هذا الحي خاص
بالبيض، وقد تدّخل أخ
يمني اسمه على الددا
وأقنعها أنني عربي
سوداني والدليل على
ذلك أن لوني أكثر
بياضا من لونه.
وقد
حدثت لي حادثة أخرى
تدل على عنصرية
الأمريكان في ذلك
الوقت؛ وكنت قد
حكيتها للأستاذ علي
محمود حسنين المحامي
والسياسي المعروف
وكان وقتها يقيم في
الولايات الجنوبية،
وقد سألني عما
نعانيه، فقلت له إنني
دخلت محلا للحلاقة،
فرفض الحلاّق الحلاقة
لي لأنني زنجي، وقد
جادلته بأن رخصة
المحل إذا كان مكتوبا
فيها أنه لا يجوز له
الحلاقة للزنوج فأنا
سأنسحب، أما إذا لم
يوجد هذا النص فلي
الحق في الحلاقة
كغيري من الناس، وقد
ذكر لي أن الرخصة ليس
بها هذا النص، ولكن
إذا رآني البيض أحلق
في هذا المحل فلن
يأتوا للحلاقة هنا،
وهنا تدخل أستاذ
جامعي أمريكي أصوله
من شرق أوروبا اسمه
روزك، وهدّد صاحب
المحل بأنه لن يحلق
في هذا المحل إذا رفض
الحلاقة لي، فما كان
من صاحب المحل إلا أن
رضخ مكرها وقام
بالحلاقة لي.
وزورك
هذا له معي قصة أخرى،
فقد جاءني يوما
وأخبرني برغبته هو
وزوجته في الطواف حول
العالم، وأنه سيزور
السودان أثناء رحلته،
وطلب مني أن أمده
بأسماء بعض معارفي في
السودان حتى يساعدوه
في رحلته؛ فأرسلت معه
خطابا إلى شقيقي حسن
البيلي، وفعلا جاء
زورك مع زوجته إلى
السودان واستقبلهم
أخي حسن البيلي، وقد
قامت زوجته بزيارة
إلى مدرسة الخرطوم
القديمة للبنات، ومن
المصادفات العجيبة أن
التي قدّمت كلمة
الترحيب بزوجته كانت
الطالبة آنذاك فاطمة
سيد أحمد البيلي
وأبوها ابن عمي، وقد
عملت فاطمة البيلي
بعد ذلك في الخارجية
السودانية حتى صارت
سفيرة،وهي الآن مع
زوجها في قطر.
وعند
عودة زورك إلى
الولايات المتحدة،
قام بدعوتي لطعام
العشاء بنادي
المؤلفين بواشنطن،
وذكر لي أن هذا
النادي من شروط
عضويته أن يكون
المؤلف له ثلاث
مؤلفات على الأقل،
وبهذا فالرئيس كيندي
نفسه ـ رئيس الولايات
المتحدة حينها ـ لا
يستطيع دخول هذا
النادي.
*
المعروف عنكم نشاطكم
في العمل العام منذ
فجر الاستقلال أيام
الجبهة الإسلامية
للدستور، وفي
الديمقراطية الثانية
في جبهة الميثاق
الإسلامي، وعندما جاء
انقلاب مايو 1969م
كان يساريا بحتا، كيف
تعامل معكم رجال
الانقلاب حينها؟
ــ في
أوائل أيام حكم جعفر
نميري وكان وقتها
اليساريون متنفذون
قاموا باعتقالي لأني
كنت ناشطا في جبهة
الميثاق الإسلامي،
لكنهم لفّقوا لي تهمة
غريبة اتهموني فيها
بالتخابر مع جهات
خارجية ونشر أسرار
الدولة العسكرية،
وجاءوا برسالة زعموا
أني أرسلتها إلى شخص
في العراق أذكر فيها
بعض أسرار الدولة،
وقد جادلتهم بأني لا
علاقة لي بوزارة
الدفاع ولا غيرها من
الأجهزة العسكرية حتى
أعرف أسرار الدولة
العسكرية، كما أني لا
أعرف شخصا في العراق،
وقمت بتفنيد كل بنود
الرسالة، فاقتنعوا
بكلامي لكنهم حبسوني
فترة طويلة ثم أطلقوا
سراحي بعدها.
*
ولعل انقلاب هاشم
العطا وهو شيوعي بحت
كان يستهدفكم أيضا؟
ـــ
عندما قام انقلاب
هاشم العطا في يوليو
1971م كنت قادما لتوي
من زيارة إلى أهلي
بالشمالية، وعندما
وصلنا إلى المطار
سمعنا أصوات طلقات
الرصاصات والدانات،
ولكني لم أذهب إلى
البيت مباشرة حيث
شعرت بألم في بطني،
وكانت الكوليرا
منتشرة حينها، فذهبت
من المطار إلى
المستشفى حيث احتجزت
بالكرنتينة لمدة
ثلاثة أيام، وعندما
خرجت كان الانقلاب قد
تم دحره،و أخبروني
في البيت أن
الانقلابيين كانوا
يبحثون عني لاعتقالي
فوقاني الله شرهم. |