الله غايتنا *** والقرآن دستورنا *** والرسول قدوتنا *** والجهاد سبيلنا *** والموت في سبيل الله أغلى امانينا
 

     

        الصفحة الرئيسية
        أنشطة ومتابعات
        مقـــالات
        حـــوارات
        ركن الأخوات
        دراسات وبحوث
        نشـرة النذيـر
        شـخصـيات
        فــقــه الدعـوة
        بيانات ووثائق
        مكتبة الموقع
        تقـــاريــر
        مواقــع صــديقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خربشات على هوامش النكسة/ طارق محي الدين علي 

 

خربشات على هوامش دفتر النكسة

لقد هزتني هذه الثورات الشعبية المباركة التي انتفضت وانتظمت العالم العربي الإسلامي، وأجمل ما فيها أنها شعبية صرفة وتلقائية محضة ليس للجيش تدخل فيها بإعلان البيان رقم واحد، ولا الأحزاب السياسية  المعارضة يد فيها بالعصيان المدني أو بالإضراب سلاحهم الشهير القديم الصدئ، وإنما سر إعجازها شبابها المصمم على النصر حتى النهاية والذي قال كلمته وأطاعها الكهول، ولكأنها هي استجابة لصرخة الشاعر نزار قباني عقب حرب النكسة 1967م (هوامش على دفتر النكسة):

يا أيها الأطفال:

من المحيط للخليج أنتم سنابل الآمال

وأنتم الجيل الذي سيكسر الأغلال

يا أيها الأطفال:

يا مطر الربيع يا سنابل الآمال

أنتم بذور الخصب في حياتنا العقيمة

وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة

فهل يا ترى تحققت هذه الرؤية العربية على أيدي جيل العقد الثاني بعد النكسة؟

من يظن أن سنوات القهر والترف ومحاولات سلخ شبابنا وشعوبنا عن هوياته ومسئولياته لم تمنعه من أن ينطلق بهذا العنفوان! من منّا يظن أن الجيل الذي تربى – أو أريد له – على ثقافة الاستهلاك والجنس والغناء الماجن وأخبار وصور الفنانين التي تملأ غرفه وفضائياته، أن ينتفض كما العصفور الذي بلله الماء وقد ظننا إثماً أنه قد كُبّر عليه أربعاً.

هبّة الشعوب:

ونحن في خضم هذا الذهول بهذه الانتفاضات الشعبية فقد علمتنا وألقت في روعنا دروساً ناصعة وعبراً ناطقة وأول درس يجب أن نتعلمه جميعنا جماعات وأفرادا.. أحزاباً ومؤسسات هو إمكانية يقظة الشعوب فمهما نامت على الضيم آماداً طويلة وتجرعت كؤوس الذل من حاكميها الظلمة ومهما تفننوا في إلهائها رغباً ورهبا فإنها لا بد مستيقظة:

أغرّك أن الشعب مغضٍ على قذىً ... وأن الفضاء الرحب وسنان مظلم

ألا إن أحلام البلاد دفينة ... تجمجم في أعماقها ما تجمجم

ولكن سيأتي بعد لأي نشورها ... وينبثّ اليوم الذي يترنم (الشابي)

فها هو الترنم في شوارع وميادين الحرية.

ذاتية البوصلة الثورية واستعصائها على التوجيه:

والنقطة الأساسية والمثيرة للدهشة هو بُعد الجماعات الإسلامية والأحزاب السياسية والتنظيمات المدنية بكل ألويتها عن التأثير في هذا الحراك المبارك وقدح زناد الثورة أو قيادها وأن هذه الجموع خارجة عن دائرة التوجيه، وكان يمكن أن يكون هؤلاء رصيداً لهم رغم عراقتهم في العمل المنظم، وهذا يدل- لا نقول فشلوا- ولكن أخفقوا في استيعاب هؤلاء، وفي صفّهم لجانبهم وآية ذلك في مصر حينما اختلفت مواقف المعارضة بين الرفض والقبول في مفاوضة نائب الرئيس وما زال مبارك على سدة الحكم فاللذين قبلوا التفاوض كانوا يجترون مطالب المحتجين ويدورون في فلكها! وينظرون إلى الثوار بطرف خفي ولسان حالهم هل أنتم راضون عنا؟ هل هذا ما تريدون! ثم في النهاية ينسحبون، ولكن الثوار في جميع المراحل كلمتهم واحدة(الشعب يريد إسقاط النظام)و(أرحل) (ولا تفاوض قبل الرحيل) فاضطروا المعارضة إلى توفيق مواقفها السياسية تبعاً لهم.

وفي هذا دعوة لدعاة التغيير الإسلامي، لأن يغيروا من أساليبهم ويطوّرا من أفكارهم ورؤاهم وإعادة النظر في أطرهم التنظيمية حتى يلتقطوا قفاز المبادرات الشعبية ويختطفوا اللحظة التاريخية مثلما اختطفها أولئك الشباب وإلا سيقفوا عاجزين وزمام المبادرة ينفلت من أيديهم، ولم يفت شيء حتى الآن إن عزموا ولكنهم يجب أن يكونوا مستعدين لمحاورة وضم صنف آخر من الشباب غير الذي عهدوه.

ساهرون على ثورتهم:

والأعجب أن الثوار هم المتحكمون في زمام الأمور وأصحاب الكلمة، فالثوار الآن في تونس أسقطوا الحكومة التي تشكلت عقب انتصار ثورتهم لأنها لم تلبي ما قاموا لأجله، ودفع البوعزيزي حياته حرقاً ثمناً لذلك، والثورة في مصر ما زالت تجبر المجلس العسكري بالاعتذارات والاجتهاد في محاولات الإصلاح السياسي، كما استعصوا على كل محاولات الالتفاف حتى اضطروا الحكام من التغيير الجزئي للحكومة في بادئ الأمر للرحيل والهروب أخيراً، وبإصرار عجيب فلا أنصاف حلول ثَمّ، وهم الذين يقررون ماذا يفعلون، وبدون  أي سلاح ولكنها الإرادة والعزم:

وفي صيحة الشعب المسخر زعزع ... تخرُّ لها شمُّ العروش وتُهدم

إذا التف حول الحق قوم فإنه ... يُصرّم أحداث الزمان ويبرم  (الشابي)

تأجيج الوعي القومي والوطني:

ثم إن هذه الثورات قد ساهمت بشكل كبير في تكثيف الوعي القومي بقضايا الأمة وعمّقت الاستيعاب الكامل للمشاكل المزمنة التي تنخر في جسد الشعوب العربية والتي أقعدتها عن دورها الرائد وعن نشدان الحياة الكريمة، كما عبأت الشعور بالكرامة وأورت زناد الرفض الكامن للخنوع وكراهية الاستبداد بكل أنواعه وإني لأخشى من تزايد هذا الشعور –شعور الرفض- لأن يؤدي يوماً إلى خروج الناس لأبسط الأسباب ولو كان زيادة قيمة الآيسكريم!. ولكن لا بأس فمع الأيام ستنضج الثورة، وعلينا أن نوقن بأن هذا الشعور وإنْ جمح أحياناً فهو الضمانة الموضوعية لحراسة الثورة وعدم انحراف أي نظام يتشكل بعدها بمنطق(فتح عينيك).

وأبانت هذه الانتفاضات عن وحدة الشعور القومي على مستوى البلدان العربية فبدأ تيارها يسري لكل المنطقة مما يدل على اتصال وثيق هذه الشعوب ببعضها لم تفصمه سنوات التفتيت والتغييب، فكان الجسد الكبير يتداعى والوحدة العربية مقدمة للوحدة الإسلامية، كما ترى بعين الإعجاب التكافل بين شعوب ليبيا ومصر وتونس إبان الأزمة الليبية الأخيرة كما ذكرت ذلك شبكة الأنباء الإنسانية(ايرين) الخدمة الإخبارية التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في تقرير لها (أن معظم المنظمات الإنسانية التي دخلت شرق ليبيا كانت مصرية).

فضيحة الأنظمة العربية:

فضحت هذه الهبّات الأنظمة العربية(بجلاجل) كما يقول المصريون في دعاباتهم الشعبية وبان عوارها وفسادها وانكشف الرؤساء والحكام وأتباعهم عن حقائقهم المظلمة من أنهم ناهبي ثروات الشعب ويرقدون على جبال من الأموال هي من حق وعرق هذا الشعب المسكين ويهدرونها تحت أقدام المغنيات ولعيبة كرة القدم وتبرعات حدائق الحيوان، ويغرقون في المتاع والملذات ويحرموا الشعب من أبسط معايير الحياة الكريمة ومن رفاهه وتنميته حتى راحوا يتسوّلون في دول الجوار غاسلين للأطباق وماسحي بلاط الحمامات، بل يكافئونه بتوريث أنجالهم استوت في ذلك الأنظمة الجمهورية والعسكرية والملكية فذلك الطربوش من ذاك العقال! فامتداد السحر والساحر طبيعة متأصلة منذ القدم حكتها السنة النبوية في قصة الملك والساحر والغلام حينما أراد الساحر بعد أن كبرت سنه استدامة الغيبوبة بترشيح غلام ليخلفه. فبعد أن كان الحاكم أجيراً للأمة أصبح الشعب أجيراً لدى الحاكم وأبنائه وأصهاره وأصبح الوطن العربي سجن كبير:

تمشي الملايين الحفاة العراة الجائعون مشردون

في السفح في دنيا المزابل والخرائب ينبشون

والمترفون الهانئون يقهقهون ويضحكون

يمزقون الليل في الحانات في دنيا الفتون

والجاز ملتهب يؤج حياله نهد وجيد

وموائد خضراء تطفح بالنبيذ وبالورود

لهف من الشهوات يجتاز المعالم والحدود

هل يسمعون صخب الرعود؟

صخب الملايين الجياع يشق أسماع الوجود

لا يسمعون!!

في اللا شعور حياتهم فكأنهم صم الصخور  (محي الدين فارس)

وحينما ضاق عليهم الخناق: زادوا الرواتب، وأمروا بتوظيف العاطلين، وأقالوا وحاكموا وزرائهم بحجة الفساد، وراجعوا نتائج الانتخابات، وزادوا الدعم على السلع الأساسية، وتعهدوا بإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية فورية وتنصلوا من التوريث بعد أن كانوا يعدون أبنائهم في الدهاليز ويجري كل ذلك باسم الشعب! إذن أين كل ذلك من قبل؟هل كل ما سبق كان مقدوراً عليه وكان سهلاً بسطه للشعب المسكين؟ فأن تعيش كل الشعوب العربية في رفاه ونعمة وحد أدنى من الكرامة الإنسانية كان بالإمكان؟ ولكن لا .. فمنطق الطغاة في كل زمان ومكان(جوّع شعبك يتبعك).

لك الويل يا صرح المظالم من غدٍ ... إذا نهض المستضعفون وصمّموا  (الشابي)

أتواصوا به:

وكأن تصرف الظلمة والملأ من حولهم واحد منذ فجر التاريخ وتعاقب الأزمان(أتواصوا به بل هم قوم طاغون) (تشابهت قلوبهم) فأحدهم يقول مهلوسون ومخدرون(أنترك آلهتنا لشاعر مجنون) (وقالوا ساحر كذاب) أي يخدعون الناس بحلو الكلام عن الديمقراطية والحرية والحياة الكريمة، و(ما علمت لكم من إله غيري) بذهابي فلا ثَمَّ إلا الحرب الأهلية والفوضى والقاعدة فأنا أو الطوفان، وهي أوصافهم لنبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم جاء ليشق الجماعة ويفرق بين المرء وزوجه وعشيرته وتسفيه الأحلام.

الإعلام متغير جديد:

يدخل الإعلام(بكل أصنافه) كمتغير جديد في المعادلة الثورية والذي كان له القدح المعلى والفاعلية الكبرى إن لم يكن أساسياً في إسماع صوت المحتجين ونشر الشعور القومي والوطني وترميم مكامن العزة المفقودة وفضح ممارسات فرعون وجنوده وتنكيلهم للمواطنين الشرفاء الذين قالوا لا في وجه الظالم بطريقة لو حكيت لك بآلاف الروايات لم تؤثر هكذا..

بالأمس كنا نسمع فقط ما تسمح به مرئيات ومسموعات ومقروءات الطغمة الحاكمة (ما أريكم إلا ما أرى) والآن رغم الأنوف والمقصات نرى ونسمع ونقرأ كل شئ بالصورة والشولة والهمسة والبكاء.

وبضدها تتمايز الأشياء، فحينما يريد النظام أن يدافع عن نفسه مستغلاً هذا الإعلام يظهر لك منطق مضحك ومخجل في آنٍ واحد في تبرير ما يحدث، من يصدق أن يخرج علينا القذافي إبان أزمة مصر ليقول جازماً(إن الرئيس مبارك فقير ولا يملك ثمن ملابسه ونحن نساعده) (وليبيا ليست بها مظاهرات وشعبي مستعد للموت من أجلي) بالله عليكم أي نوع من الحكام هؤلاء جثموا على صدورنا أربعة عقود!!

إن الله إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه:

إن الله إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه، هذا أعظم ما تأملته في مجمل هذه الأحداث وطمأنني بعد أن انتابتني ما يشبه الإحباط من تغيير هذا الواقع، وشبه التسليم بأن هذه الشعوب لن تتغير إلا بمعجزة لا ندري حتى كيفيتها وكنهها، ولكن العمل الجماهيري الدؤوب الذي لا يلين ولا يتلون هو المفتاح، وأن الرهان على الشعوب هو الأجدى واستفراغ الوسع في التغلغل فيه والاتجاه إليه.

وملامسة قضاياه هي محور التغيير: مثل العدالة الاجتماعية من البطالة والفقر والغلاء والحياة الكريمة والتوزيع العادل للثروة لكافة شرائحه فهذه محرك الثورات الآن بجانب حرية الرأي وهي مطالب إسلامية صميمة يجب أن يتشكل الخط الدعوي عليها من جديد ويستوعبها بصورة جادة وحاسمة فهي التي أشعلت الشرارة وأورت الزناد فأصبحت الأنظمة أمامها منكسرة وحكومات أوروبا العاتية لم تجد بدّاً من ترديد: على الحكام الانصياع لمطالب شعوبهم! رغم الخدمات الجليلة التي قدمها هؤلاء لهم. وكثير من دعاة المنهج الإسلامي يتحرجون من الخوض في هذه المسائل بحسبانها قضايا أرضية بالرغم من أن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز(شديد الشبه بعصر النبوة والخلافة الراشدة) قد جعلها برنامج حكم يُسائل عنه يوم القيامة مما دعاه ليذرف الدمع وهو في مصلاه لما تذكر هذه الأرضيات(قالت زوجته فاطمة: دخلتُ يوماً عليه وهو جالس في مصلاه واضعاً خدَّه على يده، ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمداً صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمتُ نفسي، فبكيت). فهل تجاوزت مطالب الثوار هذه القضايا التي بكى لأجلها الخليفة؟.

قوموا بهذه الواجبات بصورة واعية ومدروسة ولا تنشغلوا بزرع كوادركم في خلايا الجيوش أو تهيئة منسوبيكم للتوزير إن أردتم تغييراً من الجذور، وستأتي بكم الشعوب من تلقاء نفسها.

الإيمان الخامل:

أيضاً من الدلالات العظيمة التي نلحظها على الثائرين والمحتجين علو العاطفة الدينية التقليدية وليس هناك رأي مسبق من الدين فما زالت هتافات من مثل الله أكبر وترديد الشهادة والجنة مثوى الشهداء وبإذن الله ثورتنا منصورة تتردد، والتداعي للمظاهرات الكبرى يكون عقب صلاة الجمعة(جمعة الغضب وجمعة التغيير الخ..) ومنظر صلاة الجماعة في الميادين، فلم نسمع هتافات اشتراكية أو علمانية أو دعوات لعدم زج الدين في السياسة، والارتباط بين المحتجين من المتدينين من الشباب والشابات وغيرهم دون رفض وتمييز للآخر، كلها ظواهر تدل على خير يكتنف شعوبنا فقط الدعوة بالحسنى واستكمال النقص هو الواجب.

 

 

 

 

 

  

 
 
 

حقــــوق الطبــــع محفوظـــــة