|
محاربة الفساد ..... طريق زين
العابدين المبارك !
محمد عمر بشير
نجاح التجربتين التونسية ثم
المصرية في إقتلاع الأنظمة
الحاكمة جعل جميع الأنظمة
العربية تتحسس مقاعدها، وحفز
الشعوب لتحريك قدراتها
الكامنة صوب واقع أفضل. تحركت
أذهان الأنظمة والشعوب
للمقارنة بين واقع هاتين
الدولتين والواقع الذي تعيشه
، ولم يكن السودانيون حكومة
وشعبا بمنأى عن هذا الحراك
الفكري والمقارنة بين أحوال
تونس ومصر وأحوال السودان،
ولعل من أهم المعايير التي
تتم بها المقارنة إن لم يكن
المعيار الأهم، موضوع الفساد.
الفساد الذي استشرى في هذه
الأنظمة و استغلال الأموال
العامة أو إمكانات الدولة
لمصلحة أفراد النظام
والمحاباة في الوظائف وإرساء
العطاءات، و وجود شركات خاصة
لنافذين في الدولة وأقرباءهم
لها إمتيازات خاصة ويكون لها
(الجلد والرأس) أما بقية
الجماهير فيكون لها (الكوارع)
إن تبقت ، هذا الفساد هو
العامل الأساسي في سقوط
الأنظمة الهالكة ، فيأتي
السؤال عند المقارنة: ماهو
نصيب البلاد من هذه االكارثة
الأخلاقية التي تصيب الأنظمة
في مقتل؟
لقد بادر رئيس الجمهورية
بالحديث عن هذه المشكلة، وقام
بخطوة عملية بأن أمر بتشكيل
مفوضية لمحاربة الفساد، إلا
أن هذه الخطوة جوبهت بإنتقاد
حاد من جهات عديدة ، وكان
أساس هذه الإنتقادات: أن
المطلوب ليس تشكيل أجهزة ولا
مفوضية جديدة وإنما المطلوب
هو تفعيل الأجهزة القائمة
وإعطائها القوة الفاعلة، حتي
يستبين لدى عامة الشعب أنها
جادة فعلا في محاربة الفساد،
وهنا يتساءل الناس: ماذا حدث
بعد تقرير المراجع العام
الأخير حول التجاوزات في
المال العام؟ من الذي حوسب
بناء على هذا التقرير؟ من
الذي حوكم ومن الذي أقيل من
منصبه لأنه منع المراجع من
دخول مؤسسته ؟ إن الإجابات
الصحيحة على هذه الأسئلة تجعل
من أمر قيام المفوضية أمرا
عبثيا، إن لم يكن سببا
لإهدار المزيد من المال
العام، يكون آخر أمره تقرير
تزداد به حسرة الشعب السوداني
على أمواله المهدرة والضائعة
في ملذات المفسدين وجيوبهم.
أما حديث السيد الرئيس عن
الفساد، وثناؤه على وزرائه
وبعض المسئولين بأنهم لا
يقبضون الكومشنات عند توقيع
العقود ، فنحن نثني أيضا على
كل من يتعفف عن المال العام و
يسمع نداء ضميره الحي لكيلا
ينبت جسده وأجساد أبناءه من
السحت ، ويتذكر يوم يقوم
الناس لرب العالمين، و نقول
هنا أن الشعب ذكي وواعي
ويعلم من هم الأطهار الأنقياء
، ولكن الجميع يعلم أيضا أنه:
(ليس بالكومشنات وحدها يحيا
الفساد) ! فهناك صور عديدة لا
تخفى على السيد الرئيس ، ومن
أقرب الأمثلة لذلك أنه بعد
نجاح الثورة المصرية تم
إيقاف المسؤلين والوزراء
المفسدين حيث وجهت لهم تهم
مثل: بيع أراضي للأقارب
بأثمان أقل من السعر الحقيقي،
إعطاء أعمال لشركات يساهم
فيها الوزير أو المسئول دون
عطاءات أو بصورة خاطئة،
المشاركة مع مستثمرين أجانب
في مجال عمل الوزارة ، ونحوها
من النماذج التي أدهشنا أنها
عدت من الفساد بكونها أصبحت
كالأمر الطبيعي في بلادنا ولا
تعد من صور الفساد ، وحسب
السيد الرئيس أن الفساد فقط
(الكومشنات) أو (الاختلاس)
من المال العام، وهذه إنما هي
الصور الفاضحة التي يقوم بها
الأغبياء أو البسطاء من
المفسدين.
هل ستنجح مساعي السيد الرئيس
في محاربة الفساد؟ والله إنني
أتمنى من خالص قلبي أن يحدث
ذلك، وأسعدني تكذيب بعض
المصارف الإنجليزية لإدعاءات
أوكامبو بأن للرئيس مليارات
في حساباته بها ، ولكن محاربة
الفساد طريق شاق، إذا أراد
السيد الرئيس أن يحدث ذلك
فليبدأ أول ما يبدأ بنفسه
وقرابته، إن من أفضل من يقتدي
به عمر هو : عمر رضي الله
عنه. لقد سأله السائل وهو على
المنبر: لم ترتدي ثوبين
وعامة المسلمين لهم ثوب واحد
. وأرجع – رضي الله عنه - من
مال ابنه لبيت المال لإعتقاد
عمر أن
ابنه استفاد في تجارته من
قرابته لأمير المؤمنين.
فليبدأ عمر بما قام به عمر
وليوقف الألسنة التي تتحدث عن
(ليلى الطرابلسي) السودانية،
و الشركات التي يساهم أو
يديرها أقارب أو شلة الرئيس ،
تكون لها الإمتيازات الخاصة،
ويتجاوز القائمون على أمرها
القانون ، فإذا افتضح خطأ
أحدهم وأحاطته شبهات الفساد:
استراح استراحة محارب حتى
يعود للكر على المال العام.
من هنا يبدأ الرئيس محاربة
الفساد، فإن أغمض عينيه عن
فساد أقرب الأقربين له ، فلا
يتوقعن ممن دونه أن يطرف له
جفن في نهب المال العام.
البدء بالأقربين من الاهل و
(الشلة) هو الخطوة الأولى في
الطريق الصحيح فإن تشجع
الرئيس و خطاها ، فليعلم أن
الشعب كله معه، وإن تلكأ
فليعلم أنه قد أختار أن يسير
في طريق (شين العابدين، واللا
مبارك)!
|