|
حتى لا ننسى...
الجنوب أرض إسلامية
أحمد إسماعيل
يشكل استفتاء تقرير المصير لجنوب
حدثاً مفصلياً يتحدد على
أساسه مصير السودان، جغرافياً
وسياسياً، وأمنياً..
ومن الغريب جداً أن يجري اتخاذ
القرار في إجراءٍ بهذه
الخطورة، بمنأى عن شعب
السودان، ممثلاً في زعمائه،
وأهل العلم، والرأي والمنعة
فيه..بل بواسطة المجموعة التي
تتولى السلطة في السودان،
ومجموعة المتمردين الجنوبيين.
إن الإقرار بإمكانية انفصال جنوب
السودان، عن باقي الوطن، وجعل
ذلك بيد أهل الجنوب وحدهم، هو
إقرار بتلك الدعاوى التي ظل
المتمردون يرفعونها دوماً، من
أن "الجنوب مستعمر من قبل
الشمال"!!..
ولما كان الاستفتاء الذي سيحدد
شكل السودان وخارطته، هو محطة
تاريخية حاسمة، كان لابد من
تجلية بعض الحقائق الشرعية
والمنطقية، شهادة لله، وللحق
والتاريخ.
وهذه الحقائق هي:
أولاً: أرض الجنوب جزء من العالم
الإسلامي لايجوز التفريط
فيها:
في البدء لابد لنا أن نقرر أن
جنوب السودان هو أرض إسلامية،
فتحها المسلمون واتبعوها
لحكمهم، وكوّنت مع غيرها من
أجزاء السودان المختلفة، هذا
القطر الإسلامي، بحدوده
الجغرافية المعروفة..
وقد كان السودان مشيخات وممالك
وسلطنات متفرقة، حتى جاء
الفتح التركي المصري في
العقود الأولى من القرن
التاسع عشر، وجمعها معاً –
ومن ضمنها الجنوب- وأطلق
عليها السودان، لتصبح جزءاً
لا يتجزأ من الأراضي التابعة
للخلافة الإسلامية العثمانية
في استنبول.
بل إن الجنوب قد سبق - في
انتمائه للسودان- بعض
الأقاليم التي لايشك أحد في
انتمائها الآن، مثل إقليم
دارفور، الذي لم يتبع للسودان
إلا في العام 1874م على يد
الزبير باشا.
وإبان الثورة المهدية شاركت
القبائل الجنوبية في ثورة
المهدي، وبايعته ودخلت في
طاعته، وأصبحت جزءاً من
الدولة الإسلامية التي أقامها
المهدي في السودان.
وعلى هذا فالجنوب جزء لا يتجزأ
من العالم الإسلامي، وهو أرض
إسلامية وقفية، ولا يملك أحد
شرعاً حق التنازل عن أرض
إسلامية وقفية، كما قال
الإمام المقدسي في العُدَّة
((وما وقفه الأئمة من ذلك لم
يجز تغييره ولا بيعه.)) ولا
تملك سلطة في الأرض نزع سيادة
المسلمين عنها ومنحها لغير
المسلمين.
ولكي نجلّي هذه الحقيقة يجدر بنا
أن نتتبع تاريخ الإسلام في
السودان:
دخول الفتح الإسلامي السودان:
دخل الفتح الإسلامي السوداني في
عهد الخليفة الراشد الثالث
عثمان بن عفان رضي الله عنه،
عندما أرسل عامله على مصر عبد
الله بن أبي السرح حملة إلى
بلاد النوبة جنوب مصر، وكان
ذلك بسبب الهجمات المتكررة
للنوبة على حدود مصر
الجنوبية. ولما كان الغرض
الأساسي من حملة عبد الله بن
أبي السرح، هو تأديب النوبة
وتأمين حدود مصر، فقد اكتفى
باجتياح عاصمتهم دنقلا العجوز
وهدم كنيستها، وبناء مسجد
للمسلمين هناك، وتوقيع معاهدة
البقط، التي ضمنت خضوع النوبة
وولاءهم للدولة الإسلامية.
ونتيجة لعهد البقط الذي استمر
لستة قرون ينظم العلاقة بين
المسلمين والنوبة، توغل
التجار المسلمون في بلاد
النوبة حاملين معهم
الإسلام..كما ساهمت
الاضطرابات السياسية في
الدولة العباسية في هجرة
العرب إلى السودان في شكل
مجموعات، خاصة عندما أصدر
الخليفة المعتصم العباسي
قراراً بوقف عطاء المقاتلين
العرب وإبعادهم عن الجندية،
فوفدت القبائل العربية إلى
السودان، وأنشأت الإمارات
الإسلامية مثل إمارة عبد
الحميد بن عبد الله العمري في
القرن التاسع الميلادي في
الصحراء الشرقية.
ولكن تلك الهجرات بلغت ذروتها في
القرن الثالث عشر الميلادي
إبان العهد المملوكي بسبب
تفاقم الصراع بين العرب
والمماليك، حيث توافد العرب
في أفواج كبيرة، فأضعفوا
الكيان السياسي لدولتي النوبة
المسيحيتين، حتى آل إليهم
السلطان فيهما.
وكان هناك وافد عربي آخر أتي من
الغرب انحداراً من شمال
إفريقيا عبر دول غرب إفريقيا،
حتى بلغ دارفور وكردفان.
الفونج:
كانت آخر كيانات النوبة السياسية
التي أسقطها العرب هي دولة
علوة التي حكمت وسط السودان..
فقد تحالفت القبائل العربية
تحت راية شيخ عرب القواسمة
عبد الله جماع في بداية القرن
السادس عشر الميلادي، فأسقطوا
دولة النوبة وخربوا عاصمتها
سوبا وأقاموا كيانهم السياسي،
الذي توحد مع أمة الفونج
القادمة من أعالي النيل
الأزرق ليشكلوا معاً مملكة
الفونج، أو ما عُرف بالسلطنة
الزرقاء .
كما عرف الجنوب الإسلام مبكراً
أيضاً على يد العرب المسيرية
الرعاة الذين وصلوا بماشيتهم
في القرن السابع عشر إلى
المناطق الحالية التي يظعنون
إليها في فصل الشتاء، عند
منطقة أبيي وبحر العرب، وذلك
قبل وصول الدينكا إلى تلك
المناطق.
الجنوب في عهد التركية السابقة:
في العام 1821 غزا حاكم مصر محمد
علي باشا السودان، وكان محمد
علي باشا رغم اسبتداده بأمر
مصر، إلا أنه كان يحكم باسم
السلطان العثماني في
الأستانة، الذي كان يمثل
خليفة المسلمين أنذاك.
بعد أن سقطت الممالك في شمال
السودان في يد الأتراك، أرسل
محمد علي باشا حملة لاستكشاف
منابع النيل، بقيادة البكباشي
القبطان سليم، الذي وصل حتى
"غندكرو" وهي جزيرة في
النيل، تقع ناحية الجنوب
الشرقي من مدينة جوبا، عاصمة
الجنوب السوداني اليوم، ومن
خلال القبطان سليم وجنوده،
تعرّفت الشعوب التي كانت تقطن
بالقرب من غندكرو على
الإسلام، واعتنقه بعضهم.
ولما كانت السيطرة على منابع
النيل أحد أهم أهداف محمد علي
باشا من غزو السودان، ولهذا
كان حريصاً على مد نفوذه إلى
هذه المناطق، وتواصلت تلك
الجهود في عهود الخديويين من
بعده، فتتابعت البعثات
الاستكشافية، حتى وصلت ما
يعرف بمديرية الاستوائية،
وتبعتها للسودان، وكانت حدود
هذه المديرية تمتد حتى بحيرة
فكتوريا، داخل ما يعرف اليوم
بيوغندا.
دولة الزبير باشا:
وفي عهد الحكم التركي المصري
أقام الزبير ود رحمة دولة
إسلامية في بحر الغزال،
واعترفت به الحكومة التركية،
وعينته والياً على بحر
الغزال، وهو الذي أخضع دارفور
للنفوذ التركي المصري، وأصبح
والياً على بحر الغزال
ودارفور معاً.
في عهد المهدية:
ورثت المهدية الجنوب السودان من
الحكومة التركية، وأدخلته ضمن
نظامها الإداري، كانت دولة
قامت على أساس الإسلام،
وتحكيم شريعته، وقد امتدت
حدودها الجنوبية حتى "جبل
الرجاف" الذي يقع إلى الجنوب
الشرقي من مدينة جوبا.
خلاصة القول إن الجنوب قد تم
إخضاعه لحكم المسلمين خلال
العهود المختلفة التي تعاقبت
على السودان، منذ الأتراك،
وحتى الدولة المهدية..وسقط
ضمن السودان في يد المحتل
الإنجليزي، ثم تم تحريره مع
بقية أجزاء الوطن، عشية
الاستقلال.
وهذا فتح صحيح، يصبح به المصر
مصراً إسلامياً، فهو ملك لكل
المسلمين، ولا يجوز لأحد
التفريط فيه، أو التنازل عنه،
باستفتاء أو غيره..لأن في ذلك
خيانة لله ورسوله، وللمؤمنين.
|