|
صدقة
الفطر
أ.د. عبدالرحمن البر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام
على رسول الله، وعلى آله
وصحبه ومن والاه
وبعد ، فقد كثر سؤال بعض
الأحبة عن صدقة الفطر ، فكتبت
هذه السطور إجابة لهم، وبخاصة
السؤال المتكرر عن حكم إخراج
القيمة في صدقة الفطر ، أسأل
الله أن يجعل ما أكتب وأقول
عملا صالحا خالصا متقبلا.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ
y
قَالَ :
فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ
r
زَكَاةَ
الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ
أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ
عَلَى الْعَبْدِ ، وَالْحُرِّ
، وَالذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى
، وَالصَّغِيرِ ،
وَالْكَبِيرِ مِنْ
الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمَرَ
بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ
خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى
الصَّلَاةِ . متفق عليه.
وفي رواية : قال عبد الله :
فَجَعَلَ النَّاُس عِدْلَهُ
مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ .
وفي رواية عند مسلم :
فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ
نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ .
في هذا الحديث بيان لما يجب
على المسلم الذي أتم صيام
رمضان وأرضى ربه فيه وأقبل
على العيد المبارك منتظراً
جائزته من الله رب العالمين ،
فإن صيامه معلق حتى يخرج زكاة
الفطر عن نفسه وعمن تلزمه
نفقته طيبة بذلك نفسه ، راضيا
بذلك قلبه ، ففي هذه الزكاة
طهرة لصيامه مما قد يكون شابه
من لغو أو رفث أو حصل فيه من
تقصير ، كما أن فيها معنى
اجتماعيا كريما، إذ هي طعمة
للمساكين حتى لا يضطروا إلى
سؤال الناس في هذا اليوم
المبارك يوم العيد .
أما مقدار هذه الصدقة فيسير
على العبد ، فهو مقدار صاع من
الحبوب التي يأكل منها ويدخر
، أو من الطعام الذي يتناوله
، صاع عن كل فرد ممن تلزمه
نفقته حتى الوليد الذي أدرك
شيئا يسيرا من رمضان ، يشترك
في ذلك الحر والعبد والذكر
والأنثى ، ويشترك في إخراجها
من ملك ما يزيد على قوته وقوت
عياله يوم العيد وليلته ،
وحتى الفقير الذي لا يجد، إن
أخذ الصدقات فحاز منها ما
يزيد على قوته وقوت عياله
ليوم العيد وليلته وجب عليه
أن يخرج تلك الصدقة ، وبذلك
تتعود الأمة كلها على البذل
والعطاء والسخاء ، ويتحقق
فيها التكافل والتعاون بأبهى
صوره وأجمل معانيه .
وقت إخراج زكاة الفطر :
قول ابن عمر :
((وَأَمَرَ
بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ
خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى
الصَّلَاةِ))
يدل على أن المبادرة بها هي
المأمور بها ، فلو أخرها عن
الصلاة أَثِم ، وخرجت عن
كونها صدقة فطر ، وصارت صدقة
من الصدقات ، كما في حديث
ابْنِ عَبَّاسٍ
y
قَالَ : فَرَضَ رَسُولُ
اللَّهِ
r
زَكَاةَ
الْفِطْرِ طُهْرَةً
لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ
وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً
لِلْمَسَاكِينِ ، مَنْ
أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ
فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ ،
وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ
الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ
مِنَ الصَّدَقَاتِ()
.
وفي هذا دليل على أن وجوبها
مؤقت بوقت محدد ، فقيل : تجب
من فجر أول شوال لقول ابْنِ
عُمَرَ
y
: كُنَّا
نُؤْمَرُ أَنْ نُخْرِجَهَا ،
قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ إِلَى
الصَّلاةِ ، ثُمَّ يَقْسِمُهُ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ
r
بَيْنَ الْمَسَاكِينِ إِذَا
انْصَرَفَ ، وَقَالَ :
((
أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ
فِي هَذَا الْيَوْمِ
))()
.
وقيل : من غروب آخر يوم من
رمضان ، لقوله :
((طُهْرَةً
لِلصَّائِمِ))
. وقيل : تجب بمضي الوقتين ،
عملا بالدليلين .
والحكمة في تقديمه قبل الخروج
للعيد
: إغناء الفقراء عن الطواف في
الأزقة والأسواق لطلب المعاش
في هذا اليوم ، أي يوم العيد
، وإغناؤهم يكون بإعطائهم
صدقة أول اليوم .
هل يجوز تقديم زكاة الفطر ؟
في جواز تقديمها أقوال :
منهم من ألحقها بالزكاة فقال
: يجوز تقديمها ولو إلى عامين
.
ومنهم من قال : يجوز في رمضان
لا قبله ؛ لأن لها سببين :
الصوم والإفطار ، فلا
تتقدمهما كالنصاب والحول .
وقيل : لا تقدم على وقت
وجوبها إلا ما يغتفر كاليوم
واليومين . وقد فعله ابن عمر
، فعَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ
عُمَرَ
y
قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ
اللَّهِ
r
بِزَكَاةِ
الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى
قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ
إِلَى الصَّلَاةِ . قَالَ :
فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
يُؤَدِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ
بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ()
.
والذي أراه مناسباً في هذا
العصر
: تقديمها من منتصف شهر رمضان
؛ ليتهيأ للفقير الانتفاع بها
، وتحقيق الإغناء قبل يوم
العيد .
هل يجوز إخراج القيمة نقداً
في صدقة الفطر ؟
اختلف العلماء في هذه المسألة
على قولين :
-فذهب فريق من العلماء إلى
عدم جواز إخراج القيمة في
صدقة الفطر
، ووجوب إخراجها من الأصناف
الخمسة المذكورة في الأحاديث
، وهي التمر والشعير والبر
والزبيب والأقط ، وألحقوا
بذلك الأرز ونحوه من الحبوب .
وحجتهم : أن هذا هو الذي ورد
في السنة النبوية ، وأن زكاة
الفطر من العبادات ، والأصل
في العبادات التوقيف ، ولا
يجري فيها القياس ولا
الاستحسان ولا الاستصلاح ،
وقالوا : إن الدراهم
والدنانير كانت موجودة وقت
التشريع ولم يذكرها النبي
r
، ولم ينقل عن أحد من الصحابة
أنه فعل ذلك .
-وذهب عمر بن عبد العزيز وأبو
حنيفة ورواية عن أحمد ويحيى
بن معين وغيرهم إلى جواز
إخراج القيمة في زكاة الفطر ،
وأن النبي
r
إنما ذكر تلك الأصناف لأنها
كانت المتيسرة لهم .
قال ابن القيم في أعلام
الموقعين :
(( فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك
فإنما عليهم صاع من قوتهم ،
كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو
التين ، أو غير ذلك من الحبوب
، فإذا كان قوتهم من غير
الحبوب كاللبن والسمك أخرجوا
فُطرتهم من قوتهم كائنا ما
كان . هذا قول جمهور العلماء
، وهذا الصواب الذي لا يقال
بغيره ؛ إذ المقصود سد خلة
المساكين يوم العيد ومواساتهم
من جنس ما يقتاته أهل بلدهم ،
وعلى هذا فيجزئ إخراج الدقيق
وإن لم يصح فيه الحديث
)) .
إلى أن قال :
((
وإنما نص على الأنواع المخرجة
لأن القوم لم يكونوا يعتادون
اتخاذ الأطعمة يوم العيد ، بل
كان قوتهم يوم العيد كقوتهم
سائر السنة ، ولهذا لما كان
قوتهم يوم عيد النحر من لحوم
الأضاحي أمروا أن يطعموا منها
القانع والمعتر . فإذا كان
أهل بلد أو محلة عادتهم اتخاذ
الأطعمة يوم العيد جاز لهم ،
بل يشرع لهم أن يواسوا
المسكين من جنس أطعمتهم ،
فهذا محتمل يسوغ القول به ،
والله أعلم
))
.
وهذا الكلام من ابن القيم جيد
نفيس يبين أن صدقة الفطر إنما
شرعت للمواساة ، وأن ما يحقق
المواساة يجوز العمل به ،
وعلى هذا يجوز إخراج القيمة
نقداً ؛ لما في ذلك من منفعة
الفقير ومواساته ، ومن
التيسير على المكلفين ، بل إن
الذي يخرج القيمة يعد مخرجاً
للصدقة وزيادة ، حيث أعطى
الفقير عملياً فرصة اختيار ما
يشاء من الأطعمة أو اختيار
سواها مما يحقق له الإغناء
ومما هو في نظره أهم .
ويلاحظ أن أصحاب القول الأول
الذين يتشددون في إخراج
الحبوب قد قيدوا ما لم يقيده
الشارع ، فإن الأحاديث
المذكورة لم يرد فيها من
كلامه
r
مطلقاً
ولا في كلام أصحابه
y
أي لفظ
يدل على التعيين أو على منع
إخراج غيرها وعدم جوازه ،
ولذلك قال ابن القيم ما سبق
أن نقلته عنه ، بل إن هؤلاء
المتشددين قد وجدوا أنفسهم
مضطرين إلى أن يقيسوا الأرز
أو الذرة أو غيرها من الأصناف
التي لم تذكر في النصوص على
الأصناف التي ذكرت .
والادعاء بتقييدها بالحبوب -
ومن ثم إدخال تلك الأصناف
فيها - ادعاء لا يستند إلى نص
ولا مفهوم ، ولذلك أجاز ابن
القيم الأطعمة من غير الحبوب
، وأيا ما كان الأمر فإن الذي
يجيز إخراج شيئ من غير
الأصناف المذكورة في النصوص
ملزم ولا بد بتجويز إخراج
القيمة ، إذ لا فرق بين
الأمرين.
أما قولهم : إن زكاة الفطر
من العبادات والأصل فيها
التوقيف ، فيجاب عنه بأن زكاة
الفطر في أصلها معقولة المعنى
كزكاة المال ، إذ المراد منها
إغناء الفقراء وسد حاجات
المحتاجين ، فيجب النظر فيها
إلى ما هو أيسر على المعطي
وأنفع للآخذ ، وليست مثل عدد
الصلوات التي لا دخل للعقل في
تحديدها ، ألا ترى أن المعطي
لو أعطى أكثر مما يجب عليه
قُبل منه ، بينما المصلي لو
زاد في عدد الركعات بطلت
صلاته ؟ .
وأما أن النبي
r
لم يذكر
الدنانير والدراهم ولم ينقل
عن الصحابة أنهم أخرجوها في
زكاة الفطر ، فيجاب عنه :
بأنها كانت قليلة عزيزة عندهم
، وكانوا يتبادلون هذه المواد
الغذائية كأنها نقود ، فلم
يكن من الحكمة تكليفهم بما
يشق عليهم ، ثم إن تحديد مبلغ
نقدي معين قد تتغير قيمته
بتغير الأيام ، لكن ربطه بشيء
يحتاجه الإنسان يكون أضبط ،
ولا يتأثر بارتفاع الأسعار أو
انخفاضها .
فإذا كان الحال قد تغير ،
وصارت النقود هي الأسهل ، وهي
المحققة للمقصود الشرعي ، وهي
الأيسر على المكلف والأنفع
للآخذ ، فما المانع أن يخرج
المكلف القيمة إن شاء ؟ وبذلك
نعفيه من مشقة شراء الحبوب ،
ونعفي الفقير من مشقة تخزينها
أو إعادة بيعها بأقل من سعرها
، كما نحمي الأمة من جشع بعض
التجار الذين يستغلون ذلك
لرفع الأسعار ، بل ونحمي
الشريعة من العبث الذي يفعله
بعض الناس في بعض البلاد حين
يقف التاجر فيبيع للشخص
المقدار الشرعي من الأرز مثلا
، وعلى مقربة منه يقف الفقراء
الذين يأخذون الأرز من المزكي
ليعيدوا بيعه - أو تسليمه -
للتاجر ليعيد بيعه لشخص جديد
، وهلم جرا .
ولهذا فإنني مع أكثر أهل
العلم الموثوق بدينهم وعلمهم
في عصرنا الذين أجازوا إخراج
القيمة ، بل اعتبروا إخراج
القيمة أفضل من إعطاء الحبوب،
لما يترتب على ذلك من مصالح
شرعية وقضاء لمصالح المسلمين،
والله أعلم .
|