|
زرعت السلام وجنت الحرب
أ/أحمد إسماعيل
"أبيي" ذلك المثلث الصغير،
الذي دخل تاريخ العالم من
أخشن أبوابه، هي أرض قدمت
السلام، ولكن جنت الحرب!!..
لم تكن ثمة قضية أكثر وضوحاً
من قضيتها..مع ذلك لم تكن ثمة
مسألة أعقد من مسألتها!!..
وقصة أبيي، هي أنها كانت
الملاذ الآمن الوحيد، لشعب
أقلقت استقراره الحروب،
وأرهقته الاضطرابات، ولم يحط
عنه عناء التنقل إلا عندما
فتح له أهل تلك الأرض
ذراعيهم، في والوقت الذي كان
أبناء عمومته يشهرون في وجهه
الحراب!!.
من المؤكد تاريخياً أنه في
القرن الثامن عشر الميلادي،
كان العرب المسيرية يطرقون
تلك الأرض ويجبونها ويقيمون
فيها في فصل الشتاء، حيث
ترتوي أبقارهم، وتشبع من
العشب الأخضر..ولقد كانت
أرضهم قبل ذلك التاريخ!!..
كما أن التاريخ يحدثنا أن
قبائل الدينكا نقوك بمشيخاتها
التسع، ألجأتهم الاضطرابات
الأمنية إلى استيطان منطقة من
أبيي بالقرب من الرقبة
الزرقاء..وأن ذلك الحدث لم
تمض عليه أكثر من مائتي عام
فقط!!.
إذن فقد قدمت "أبيي" الأمن من
الجوع والعطش للمسيرية..وقدمت
الأمن من الخوف والهلع لدينكا
نقوك!!..
والتاريخ يحدثنا أيضاً، أن
الدينكا والمسيرية طوال تلك
القرون عاشوا معاً في
سلام..إلى أن جاءت الحرب
فنشرت دخانها هناك!!..
في برنامج مراجعات الذي يقدمه
الإعلامي اللامع الطاهر حسن
التوم على قناة النيل الأزرق،
يستعيد د.غازي صلاح الدين
مستشار رئيس الجمهورية،
ذكرياته في بروتوكول ميشاكوس،
حين كان ممسكاً بملف
التفاوض..يذكر كيف أن أبيي
كان وضعها محسوماً بشكل قاطع
في ميشاكوس التي جعلت معيارها
في تعريف الجنوب السوداني، هي
الحدود التي كان تركها
المستعمر الإنجليزية غداة
استقلال السودان في
1/1/1956م!!.
ومع ذلك أعيدت أبيي إلى منطقة
النزاع في نيفاشا 2005م!!.
ولكن الغريب والعجيب في الأمر
أن "أبيي" التي هي في الأصل
من مناطق الشمال. ظلت على
مدار التاريخ تحسم أمرها
بواسطة أهلها من الدينكا
والمسيرية، بأنها ضمن حدود
شمال السودان.. ومع ذلك تعاد
كل مرة إلى منطقة النزاع!!..
لماذا تُدعى أبيي لتقرر
مصيرها، وقد قررته من قبل
أكثر من مرة..أم أن قدرها أن
يأتي كل جيل ليسير حولها
النزاع ؟!.
كانت المرة الأولى، في العام
1905م عندما رسّم المستعمر
الإنجليزي مديريات السودان،
وكان راغباً في إلحاق أبيي
بإحدى المديريات الجنوبية
الثلاثة..ولكن دينكا نقوك
بمشيخاتها التسع رفضوا رفضاً
باتاً إلحاقهم بالجنوب،
وفضلوا أن يبقوا ضمن كردفان.
وخلال تاريخ التمرد الجنوبي،
كان البعض يحاول أن يجر أبيي
لتصبح واحدة من أجندة قادة
الحرب، ولكنهم ظلوا يبدون
فتوراً وعدم حماس للأمر..
المرة الثانية كانت في العام
1984م - إبان عهد الرئيس
جغفر النميري،عندما طالب بعض
الدينكا ضم أبيي لبحر
الغزال..فكون لها الرئيس
نميري لجنة قومية برئاسة
الشيخ بشير الشيخ – وكيل
وزارة الحكومات المحلية،
وعضوية د.فرانسيس دينق ماجوك-
ابن زعيم الدينكا نقوك
الأشهر، وغيرهام"، أسفرت
الانتخابات التي أجرتها
اللجنة وسط مشيخات الدنيكا،
وكانت النتيجة أن صوت سبع من
مشيخات الدينكا التسع لصالح
بقاء أبيي ضمن جنوب كردفان،
مقابل مشيختين فقط لصالح
الانضمام إلى بحر الغزال!!.
أليس من العجيب والغريب، أن
يحسم أهل المنطقة أمرها في كل
مرة ، يخرج إلينا من يعيد
المسألة للصراع والنزاع
من جديد!!.
|