من أجل بناء حركة علم شرعي متينة في السودان
(3)
أ/أحمد إسماعيل
كانت المهدية
"الدولة والثورة" مرحلة
مفصلية في تاريخ السودان؛
السياسي، والاجتماعي،
والفكري..لها أثرها الكبير في
تشكيل السودان الحالي..
ولكن على
الرغم من أن المهدية كانت
حركة دينية، أحدث إصلاحات
اجتماعية كبيرة، إلا أن عهدها
كان أكثر الفترات التي شهدت
فيها حركة العلم الشرعي
جموداً كبيراً.. منذ أن كانت
حركة دعوة وجهاد، وحتى بعد أن
أصبحت دولة..
وهذه قضايا
لابد من مناقشتها، بوضوح إذا
كنا بصدد التأسيس لحركة علمية
متينة وراسخة في السودان..
لقد كان
المهدي طالب علم نابه عندما
بدأ صيته يذيع بين
السودانيين، طلب العلم
متنقلاً من خلوة إلى أخرى،
وعندما أعلن دعوته كان قد
حصّل قدراً طيباً من العلم
بالفقه والشريعة، وكان خطيباً
مؤثراً تجتمع له القلوب..
غير أن دعوته
ودولته فيما بعد فرضت أكبر
قيد عرفه السودان على حركة
العلم الشرعي، وحاصرت المذاهب
الفقهية حصاراً شديداً، يستند
إلى أساس فكرته عن المهدية..
منذ بداية
أمره دخل المهدي في صراع مع
عدد من العلماء الذين أنكروا
مهديته، بعضهم من خريجي
الأزهر الشريف، وبعضهم من
شيوخ الخلاوي!!..وكان يصفهم
بأنهم علماء السلطان..ولكن
الأمر تجاوز علماء السلطان،
ليشمل التراث الفقهي كله،
وذلك حين أعلن المهدي إيقاف
العمل بالمذاهب الفقهية،
وليعمل الناس بفقهه
الخاص..ومنع تداول الكتب إلا
ما يجيزه هو، وقد علق
البروفيسور محمد إبراهيم أبو
سليم على ذلك في كتابه
"الحركة الفكرية في المهدية"
بقوله: " وكان وطء ذلك شديدا
على الفكر وصارت الكتابة
مغامرة كبرى"!!..
وكان المهدي
يعتبر أن كثير من الكتب
الفقهية قد أبعدت الناس عن
الطريق الحق، وأنه أعاد العمل
بالكتاب والسنة، ويرى أن
الفقهاء السابقين قد أدّوا ما
عليهم، وأن دورهم انتهى
بظهوره، وقال عنهم: "بارك
الله فيهم، وصلوا
ووأصلوا"!!..هذه الفكرة أدت
إلى ضمور النشاط العملي،
اقتصاره على فهم المهدية،
وصارت الخلاوي تحفظ القرآن
وراتب الإمام المهدي..
وتشبه هذه
الخطوة التي قادها المهدي ضد
الفقه المذهبي، ما قام به
الموحدون الذين خلفوا
"المرابطين" في حكم الأندلس،
وهم حركة قامت على فكرة
المهدية التي أعلنها المهدي
"بن التومرت"، على نحو ما قام
محمد أحمد المهدي
السوداني..وقد قام الموحدون
بإحراق كتب المذاهب في
الأندلس جميعها، عدا فقه
الظاهرية الذي كانوا يعملون
به!!..
ربما كان لما
قام به محمد أحمد المهدي من
إيقاف العمل بالمذاهب الفقهية
جذوره في الفكر الصوفي، فمحي
الدين ابن العربي مثلاً يتحدث
عن "رفع العمل بالمذاهب
الفقهية على يد المهدي
المنتظر"!!. والمهدي نفسه نشأ
صوفياً، وتدرج في سلك
المريدين الصوفيين.
وبالجملة فقد
استمرت سياسة حصار المذاهب
الفقهية، وحظر تداول الكتب،
بعد وفاة المهدي إلى نهاية
الدولة المهدية في عهد خليفته
عبد الله التعايشي..
وازداد الأمر
في عهد الخليفة عبد الله
التعايشي ليطال العلماء
أنفسهم، مثل أحمد علي،
والقاضي حسين ود الزهراء الذي
حبسه الخليفة حتى مات،
وإسماعيل عبد القادر
الكردفاني مؤرخ "سيرة المهدي"
الذي نفاه إلى الرجاف، وأمر
أن تحرق "سيرته" أينما وجدت،
ولم تنج إلا نسخة واحدة
أخفاها أحد الكتبة.
غير أن ذلك
لم يمنع أن يكون هناك بعض أهل
العلم ممن أيدوا المهدي،
وصاروا من أنصاره وقاتلوا
معه، وبعد سقوط الدولة
المهدي، تحركوا بعلمهم، مثل
الشيخ "التقلاوي" الكبير،
أقام أول صلاة جمعة في أم
درمان بعد سقوطها في يد
القوات الغازية.
خلاصة الأمر
أن عهد المهدية رغم النقلة
الاجتماعية والسياسية الكبرى
التي أحدثتها في السودان، إلا
أنها كانت خصماً على على
العلم الشرعي، والنشاط
الفكري، ألقت بظلالها على
الحركة العلمية في السودان.
في العام 1898م اجتاح
الجيش الإنجليزي المصري
بقيادة اللورد كتشنر السودان،
وأنهى حكم الدولة المهدية،
ليقع السودان مجدداً تحت وطأة
الاحتلال الأجنبي.
وفيما عدا "دارفور" التي
انحاز إليها السلطان علي
دينار، فقد سقط كل السودان في
قبضة حكام غير مسلمين!!..
وأوقف العمل بأحكام الشريعة
الإسلامية تماماً!!..
وفي العام 1916 م سقطت دارفور
هي الأخرى في يد سلطة
الاحتلال الإنجليزي، ليقع كل
السودان تحت سيطرة الكفرة!.
كان من أولويات السلطة
الإنجليزية، القضاء على روح
الجهاد التي أوقدتها المهدية
في السودانيين، لذلك عملت على
كنس آثار المهدية..وعلى غرار
ما يجري اليوم في ما يُسمى
"بالحرب على الإرهاب"، قامت
السلطة الأجنبية بالتضييق على
التعليم الديني، وبل ومنعت في
أيامها الأولى حتى إقامة صلاة
الجمعة في المساجد.
ولعل أهم مظاهر التضييق على
التعليم الديني في بداية
الحكم الإنجليزي، هو مراقبة
الخلاوى، خصوصاً تلك التي كان
يديرها بعض أنصار المهدي،
وإذا عُلم بأن تلك الخلوة
تدرس إلى جانب القرآن "راتب
الإمام المهدي" – وهو كتاب
الورد اليومي للأذكار- كان
ذلك أدعى إلى مزيد من
المتابعة الأمنية والتضييق،
كما حدث في ثورة "عبد القادر
ود حبوبة"!.
إلى جانب ذلك قامت السلطة
الإنجليزية بفتح المدارس
النظامية، التي تركز على
تدريس العلوم الحديثة، وتكرّس
اللغة الأجنبية، وفي مقابل
ذلك أهمل التعليم الديني،
الذي كان أساسه حفظ القرآن
وتعَلُّم مبادئ الفقه
والعقائد، وخريج الخلاوي لا
مكان لهم في الحياة العامة،
ولا فرص لهم في السلك
الوظيفي..
صحيح أن تشجيع المحتل
الإنجليزي لمدارس الإرساليات
النصرانية، ودعمها، دفع
الغيورين من أبناء السودان
إلى افتتاح نوع جديد من
المدارس، عرفت بالمدارس
الأهلية، إلا أن ذلك لم يدعم
قضية العلم الشرعي كثيراً،
فقد كانت تهتم بأن يجد الطالب
فيها علوماً مماثلة لعلوم
المدارس النظامية، أو علوماً
في الصناعات، ولكن بعيدة عن
سيطرة المنصرين. كما قال
القائل:
"ما بخش مدرسة المبشر ***
عندي معهد وطني العزيز"
والمعهد المعني هنا هو "معهد
القرش" الصناعي، وليس معهد أم
درمان العلمي كما يظن كثير من
الناس..
وفيما عدا الخلاوى التي لم
تكن تقدم للمتعلم سوى القرآن
الكريم ومبادئ القراءة
والكتابة، فقد كان طالب العلم
الشرعي يجد صعوبة كبيرة في
العثور على عالم يدرس بعض
متون الفقه المالكي، مثل
العزية، وتنقيح الأزهرية،
وابن عاشور، ومختصر
خليل!!..وحكى لي بعض الكبار
في أنه كان الناس يتسامعون
أنه "في المنطقة الفلانية
عالم يدرّس الموطأ"!!.
في أم درمان بالذات بدأت حركة
علمية انتظمت في شكل حلقات في
المساجد منذ العام 1901م
لتدريس الفقه وعلوم الدين،
كرد فعل للتعليم الأجنبي،
وتمحورت تلك الحلقات العلمية
في جامع أم درمان الكبير،
ويرجع الفضل في تنظيمها إلى
الشيخ محمد البدوي الذي عرف
بشيخ علماء السودان!.
وفي العام 1902م اضطر المحتل
الإنجليزي، للتعامل مع حركة
حلقات المساجد تلك، وفتدخل
بمحاولة تنظيمها، فأنشأ ما
سُمّي بـ " لجنة العلماء"،
وهي مجلس لعلماء تلك
الحلقات!!.
أدت تلك الحلقات العلمية إلى
تحفيز طلاب العلم الشرعي في
السودان، إلى طلب المزيد من
العلم والمعرفة، فكان يهاجرون
إلى مصر للالتحاق بالأزهر
الشريف، وهو أمر لم يرق
للإدارة البريطانية، حيث يقوي
هذا الأمر النفوذ المصري في
السودان.. مما دفعها - بدون
أن تقصد- لخطوة أخرى كانت
إضافة للعلم الشرعي في
السودان، وهي تطوير حلقات
العلم في مسجد أم درمان
الكبير، لتصبح في العام
1912م "معهد أم درمان
العلمي"، وعُين الشيخ أبو
القاسم أحمد هاشم رئيساً..
كان قصد الإدارة البريطانية
أن يكون المعهد بديلاً
سودانياً للأزهر الشريف،
ولكنه أصبح مثابة لطلاب العلم
الشرعي في السودان..وخرّج
أفذاذاً من علماء السودان،
وتطور فيما بعد ليصبح جامعة
أم درمان الإسلامية.
خلاصة جهود المسلمين في
السودان خلال حقب التاريخ
المختلفة – بنجاجاتها
وإخفاقاتها- تمثلت لدينا في
واقع للعلم الشرعي يمكن تملسه
في الخلاوي، وحلقات المساجد،
والمعاهد الدينية التي نشأت
في ظل التعليم الأهلي، وتطور
بعضها عن الخلاوي، مثل معهد
كدباس، أو تطور عن نظام حلقات
المساجد مثل معهد أم درمان
العلمي العلمي العالي، أو تم
إنشاؤه ابتداء، ليعبر من
خلاله طلاب الخلاوي إلى
المرحلة الجامعية، مثل معهد
شروني.
معهد أم درمان العلمي واصل
تطوره لينتج جامعتين من أكبر
الجامعات الإسلامية في
السودان، في فترتين
متعاقبتين؛ هما جامعة أم
درمان الإسلامية، وجامعة
القرآن الكريم والعلوم
الإسلامية، بالإضافة إلى معهد
أم درمان العلمي الثانوي.
ظهور الجماعات الإسلامية
الدعوية، كان له أثر كبير في
تطور حركة طلب العلم الشرعي
في السودان، وأضاف إضافات
كبيرة ونوعية، فمن ناحية نشطت
حلقات العلم في المساجد،
ساهمت في افتتاح عدد من
المعاهد الدينية، ومن ناحية
نشطت الحركة الفكرية
الإسلامية.
ولكن أهم الإضافات النوعية
التي أدخلتها الجماعات
الدعوية هي:
أولاً: المذاهب الفقهية
الأخرى: فبعد أن كان السائد
في السودان هو تدريس كتب
المذهب المالكي، دخل المذهب
الحنبلي بواسطة الجماعات
السلفية المتأثرة بالحركة
العلمية في المملكة العربية
السعودية..كما دفعت الحركات
الإسلامية في جانب تدريس
الفقه المقارن من كتب مثل
"بداية المجتهد ونهاية
المقتصد" لابن رشد، و"فقه
السنة" لسيد سابق، و"الفقه
على المذاهب الأربعة"
للجزيري.
في جانب العقيدة كانت العقيدة
الأشعرية هي السائدة في
السودان، ولكن ظهور الجماعات
الدعوية والحركات الإسلامية
أدى إلى انتشار تدريس كتب
عقيدة السلف الصالح، مثل
"العقيدة الطحاوية" وكتب شيخ
الإسلام ابن تيمية، وتمليذه
ابن القيم.
ثانياً: توسعت دائرة تدريس
العلم الشرعي، لتشمل أبواباً
أخرى من العلم، بعد كانت غالب
الحلقات تركز على الفقه،
والقرآن وتجويده، والعقائد
الأشعرية، فدخل علم مصطلح
الحديث، وكتب العقيدة
السلفية، و أصول الفقه، وعلوم
القرآن، إلى جانب فنون اللغة
العربية خصوصاً النحو.
ثالثاً:حدثت نقلاً في باب
الاهتمام بالأصول والأدلة:
فبعد أن كان الأصل هو تدريس
كتب المتون الفقهية وكتب
المتأخرين من علماء المذاهب،
أصبح هناك اهتمام، بأدلة
الأحكام ومصادرها، فدُرِّست
دواوين السنة، مثل "الصحيحين"
و "كتب السنن الأربعة"، بجانب
موطأ الإمام مالك ابن
أنس..بجانب كتب أدلة الأحكام،
مثل "بلوغ المرام" لابن حجر
العسقلاني، و"أدلة الأحكام"
لابن دقيق العيد.
رابعاً: الفكر الإسلامي
المعاصر: أسهمت الحركة
الإسلامية بدور كبير في انعاش
الثقافة الإسلامية بجانب
فكري، فكانت تلزم أعضاءها
بدراسة كتب الفكر الإسلامي
المعاصر، خصوصاً أنهم كانوا
رأس الرمح في محاربة التيارات
الفكرية العلمانية، والمناوئة
للإسلام التي انتشرت في أوساط
المثقفين السودانيين، وطلبة
الجامعات، مثل الماركسية،
والرأسمالية، بالإضافة إلى
التيارات الباطنية المنحرفة
مثل "الجمهوريين"..وكان
التأكيد على أن الإسلام نظام
شامل للحياة، صالح لكل زمان
ومكان هو الأساس الذي تنطلق
منه الحركة الإسلامية في خوض
معركتها ضد العلمانية
والماركسية..فكانت رسائل
الإمام البنا، وكتب الشهيد
سيد قطب، والمفكر الإسلامي
مالك بن نبي، والشيخ محمد
الغزالي، والشيخ يوسف
القرضاوي، والبهي الخولي،
وغيرهم من المفكرين
الإسلاميين هي الزاد الذي
يأخذون منه ذخريتهم لضحد
الأفكار الماركسية والشعوبية
والعلمانية، وترسيخ حقائق
الإسلام.
في العام 1898م اجتاح الجيش
الإنجليزي المصري بقيادة
اللورد كتشنر السودان، وأنهى
حكم الدولة المهدية، ليقع
السودان مجدداً تحت وطأة
الاحتلال الأجنبي.
وفيما عدا "دارفور" التي
انحاز إليها السلطان علي
دينار، فقد سقط كل السودان في
قبضة حكام غير مسلمين!!..
وأوقف العمل بأحكام الشريعة
الإسلامية تماماً!!..
وفي العام 1916 م سقطت دارفور
هي الأخرى في يد سلطة
الاحتلال الإنجليزي، ليقع كل
السودان تحت سيطرة الكفرة!.
كان من أولويات السلطة
الإنجليزية، القضاء على روح
الجهاد التي أوقدتها المهدية
في السودانيين، لذلك عملت على
كنس آثار المهدية..وعلى غرار
ما يجري اليوم في ما يُسمى
"بالحرب على الإرهاب"، قامت
السلطة الأجنبية بالتضييق على
التعليم الديني، وبل ومنعت في
أيامها الأولى حتى إقامة صلاة
الجمعة في المساجد.
ولعل أهم مظاهر التضييق على
التعليم الديني في بداية
الحكم الإنجليزي، هو مراقبة
الخلاوى، خصوصاً تلك التي كان
يديرها بعض أنصار المهدي،
وإذا عُلم بأن تلك الخلوة
تدرس إلى جانب القرآن "راتب
الإمام المهدي" – وهو كتاب
الورد اليومي للأذكار- كان
ذلك أدعى إلى مزيد من
المتابعة الأمنية والتضييق،
كما حدث في ثورة "عبد القادر
ود حبوبة"!.
إلى جانب ذلك قامت السلطة
الإنجليزية بفتح المدارس
النظامية، التي تركز على
تدريس العلوم الحديثة، وتكرّس
اللغة الأجنبية، وفي مقابل
ذلك أهمل التعليم الديني،
الذي كان أساسه حفظ القرآن
وتعَلُّم مبادئ الفقه
والعقائد، وخريج الخلاوي لا
مكان لهم في الحياة العامة،
ولا فرص لهم في السلك
الوظيفي..
صحيح أن تشجيع المحتل
الإنجليزي لمدارس الإرساليات
النصرانية، ودعمها، دفع
الغيورين من أبناء السودان
إلى افتتاح نوع جديد من
المدارس، عرفت بالمدارس
الأهلية، إلا أن ذلك لم يدعم
قضية العلم الشرعي كثيراً،
فقد كانت تهتم بأن يجد الطالب
فيها علوماً مماثلة لعلوم
المدارس النظامية، أو علوماً
في الصناعات، ولكن بعيدة عن
سيطرة المنصرين. كما قال
القائل:
"ما بخش مدرسة المبشر ***
عندي معهد وطني العزيز"
والمعهد المعني هنا هو "معهد
القرش" الصناعي، وليس معهد أم
درمان العلمي كما يظن كثير من
الناس..
وفيما عدا الخلاوى التي لم
تكن تقدم للمتعلم سوى القرآن
الكريم ومبادئ القراءة
والكتابة، فقد كان طالب العلم
الشرعي يجد صعوبة كبيرة في
العثور على عالم يدرس بعض
متون الفقه المالكي، مثل
العزية، وتنقيح الأزهرية،
وابن عاشور، ومختصر
خليل!!..وحكى لي بعض الكبار
في أنه كان الناس يتسامعون
أنه "في المنطقة الفلانية
عالم يدرّس الموطأ"!!.
في أم درمان بالذات بدأت حركة
علمية انتظمت في شكل حلقات في
المساجد منذ العام 1901م
لتدريس الفقه وعلوم الدين،
كرد فعل للتعليم الأجنبي،
وتمحورت تلك الحلقات العلمية
في جامع أم درمان الكبير،
ويرجع الفضل في تنظيمها إلى
الشيخ محمد البدوي الذي عرف
بشيخ علماء السودان!.
وفي العام 1902م اضطر المحتل
الإنجليزي، للتعامل مع حركة
حلقات المساجد تلك، وفتدخل
بمحاولة تنظيمها، فأنشأ ما
سُمّي بـ " لجنة العلماء"،
وهي مجلس لعلماء تلك
الحلقات!!.
أدت تلك الحلقات العلمية إلى
تحفيز طلاب العلم الشرعي في
السودان، إلى طلب المزيد من
العلم والمعرفة، فكان يهاجرون
إلى مصر للالتحاق بالأزهر
الشريف، وهو أمر لم يرق
للإدارة البريطانية، حيث يقوي
هذا الأمر النفوذ المصري في
السودان.. مما دفعها - بدون
أن تقصد- لخطوة أخرى كانت
إضافة للعلم الشرعي في
السودان، وهي تطوير حلقات
العلم في مسجد أم درمان
الكبير، لتصبح في العام
1912م "معهد أم درمان
العلمي"، وعُين الشيخ أبو
القاسم أحمد هاشم رئيساً..
كان قصد الإدارة البريطانية
أن يكون المعهد بديلاً
سودانياً للأزهر الشريف،
ولكنه أصبح مثابة لطلاب العلم
الشرعي في السودان..وخرّج
أفذاذاً من علماء السودان،
وتطور فيما بعد ليصبح جامعة
أم درمان الإسلامية.
خلاصة جهود المسلمين في
السودان خلال حقب التاريخ
المختلفة – بنجاجاتها
وإخفاقاتها- تمثلت لدينا في
واقع للعلم الشرعي يمكن تملسه
في الخلاوي، وحلقات المساجد،
والمعاهد الدينية التي نشأت
في ظل التعليم الأهلي، وتطور
بعضها عن الخلاوي، مثل معهد
كدباس، أو تطور عن نظام حلقات
المساجد مثل معهد أم درمان
العلمي العلمي العالي، أو تم
إنشاؤه ابتداء، ليعبر من
خلاله طلاب الخلاوي إلى
المرحلة الجامعية، مثل معهد
شروني.
معهد أم درمان العلمي واصل
تطوره لينتج جامعتين من أكبر
الجامعات الإسلامية في
السودان، في فترتين
متعاقبتين؛ هما جامعة أم
درمان الإسلامية، وجامعة
القرآن الكريم والعلوم
الإسلامية، بالإضافة إلى معهد
أم درمان العلمي الثانوي.
ظهور الجماعات الإسلامية
الدعوية، كان له أثر كبير في
تطور حركة طلب العلم الشرعي
في السودان، وأضاف إضافات
كبيرة ونوعية، فمن ناحية نشطت
حلقات العلم في المساجد،
ساهمت في افتتاح عدد من
المعاهد الدينية، ومن ناحية
نشطت الحركة الفكرية
الإسلامية.
ولكن أهم الإضافات النوعية
التي أدخلتها الجماعات
الدعوية هي:
أولاً: المذاهب الفقهية
الأخرى: فبعد أن كان السائد
في السودان هو تدريس كتب
المذهب المالكي، دخل المذهب
الحنبلي بواسطة الجماعات
السلفية المتأثرة بالحركة
العلمية في المملكة العربية
السعودية..كما دفعت الحركات
الإسلامية في جانب تدريس
الفقه المقارن من كتب مثل
"بداية المجتهد ونهاية
المقتصد" لابن رشد، و"فقه
السنة" لسيد سابق، و"الفقه
على المذاهب الأربعة"
للجزيري.
في جانب العقيدة كانت العقيدة
الأشعرية هي السائدة في
السودان، ولكن ظهور الجماعات
الدعوية والحركات الإسلامية
أدى إلى انتشار تدريس كتب
عقيدة السلف الصالح، مثل
"العقيدة الطحاوية" وكتب شيخ
الإسلام ابن تيمية، وتمليذه
ابن القيم.
ثانياً: توسعت دائرة تدريس
العلم الشرعي، لتشمل أبواباً
أخرى من العلم، بعد كانت غالب
الحلقات تركز على الفقه،
والقرآن وتجويده، والعقائد
الأشعرية، فدخل علم مصطلح
الحديث، وكتب العقيدة
السلفية، و أصول الفقه، وعلوم
القرآن، إلى جانب فنون اللغة
العربية خصوصاً النحو.
ثالثاً:حدثت نقلاً في باب
الاهتمام بالأصول والأدلة:
فبعد أن كان الأصل هو تدريس
كتب المتون الفقهية وكتب
المتأخرين من علماء المذاهب،
أصبح هناك اهتمام، بأدلة
الأحكام ومصادرها، فدُرِّست
دواوين السنة، مثل "الصحيحين"
و "كتب السنن الأربعة"، بجانب
موطأ الإمام مالك ابن
أنس..بجانب كتب أدلة الأحكام،
مثل "بلوغ المرام" لابن حجر
العسقلاني، و"أدلة الأحكام"
لابن دقيق العيد.
رابعاً: الفكر الإسلامي
المعاصر: أسهمت الحركة
الإسلامية بدور كبير في انعاش
الثقافة الإسلامية بجانب
فكري، فكانت تلزم أعضاءها
بدراسة كتب الفكر الإسلامي
المعاصر، خصوصاً أنهم كانوا
رأس الرمح في محاربة التيارات
الفكرية العلمانية، والمناوئة
للإسلام التي انتشرت في أوساط
المثقفين السودانيين، وطلبة
الجامعات، مثل الماركسية،
والرأسمالية، بالإضافة إلى
التيارات الباطنية المنحرفة
مثل "الجمهوريين"..وكان
التأكيد على أن الإسلام نظام
شامل للحياة، صالح لكل زمان
ومكان هو الأساس الذي تنطلق
منه الحركة الإسلامية في خوض
معركتها ضد العلمانية
والماركسية..فكانت رسائل
الإمام البنا، وكتب الشهيد
سيد قطب، والمفكر الإسلامي
مالك بن نبي، والشيخ محمد
الغزالي، والشيخ يوسف
القرضاوي، والبهي الخولي،
وغيرهم من المفكرين
الإسلاميين هي الزاد الذي
يأخذون منه ذخريتهم لضحد
الأفكار الماركسية والشعوبية
والعلمانية، وترسيخ حقائق
الإسلام.