نظرية "صناعة الحرب" التي
تحدثنا عنها تطل برأسها هذه
المرة بوضوح!!..
في قمة التوتر..ينطلق لسان
الجيش الشعبي الجنوبي..ليتهم
الجيش السوداني بنصب كمين له
داخل أراضي أعالي
النيل!!..وهكذا يُنفخ في أول
عود مشتعل الرأس، ليلقى بعدها
على العشب اليابس!!.
أقل من شهرين هي المدة
المتبقية من عمر السودان
الجغرافي القديم، وبين يدي
بضعة وستين يوماً تفصلنا عن
الاستفتاء العجيب، هناك من
يبحث عن الأعواد ذات الرؤوس
المشتعلة..وهناك من يجمع
العشب والهشيم ليؤجج حريقاً
لم يسمع بمثله أبناء سام وحام
ويافث!!.
الكل يعلم أن الجيش السوداني
هو الوحيد الذي التزم – أكثر
من اللازم – بتنفيذ بنود
اتفاقية السلام الخاصة بإعادة
انتشار القوات شمال وجنوب
حدود 1956م..و أن الجيش الآخر
هو الذي ظل يماطل في
التنفيذ!!.. ومع هذا يدعي
"الطرف الخارق للاتفاق" بأن
الطرف الآخر هو الذي خرق
اتفاقية السلام، وتسلل ليقتل
أفراده في عقر دارهم!!..
على الدوام كان رجال الحركة
الشعبية يعمدون إلى تعليق
إخفاقاتهم على شماعة
الشمال..إذا نشبت حرب قبلية
بسبب سوء الإدارة، وتقوية
قبائل ضد القبائل
الأخرى..هرعت حكومة الجنوب
إلى الزعم بأن عناصر شمالية
تقف وراء ذلك!!..
وإذا تمرد قائد مثل أطور،
وأذاق الحركة الشعبية ويلات
الهزائم..أكد رجال الحركة
الشعبية بأغلظ الأيمان أن
الحكومة الشمالية هي التي
تدعمه!!..
بل..إذا انتشرت الأوبئة
والأمراض والكوليرا..فلا شك
أن الشمال هو الذي قدم الدعم
اللوجستي لتلك الجراثيم!!.
ولكن هذا الأمر كان معداً له
سلفاً..فعندما طالب سلفاكير
الأمم المتحدة بإنشاء منطقة
عازلة بين الشمال والجنوب،
ونشر جنودها فيها..كان يدعي
بأنه يخشى من هجوم للجيش
السوداني قبيل الاستفتاء!!..
لم تجد الأمم المتحدة منفذاً
فإن ما يطلبه سلفا ليس من
صلاحيات التفويض الممنوح
لها!!.. ولكنها سوف تجد في
أشياء تحدث على الأرض مبرراً
قوياً، لاستصدار قرار يخول
لها ذلك..وسوف تجد التأييد من
العالم، الذي ظل الإعلام
الموجه يرسم أمام عينيه أشباح
الحرب الوشيكة بين شمال
السودان وجنوبه!!.
ولهذا ما أن نطقت ألسنة رجال
الحركة الشعبية بتلك
الاتهامات، حتى سارعت قوات
الأمم المتحدة لتؤكد بأنها
سمعت أنباء
الاشتباكات!!..وهكذا سوف
تتحول الادعاءات إلى حقائق
واقعة..ثم إجراءات، ثم تنفيذ
على الأرض!!..
الخيوط محبوكة ومحكمة..
والقصب الجاف، والعشب الأصفر
والهشيم، مكدس، والرياح
مواتية!!.. ولكن في أي اتجاه
سوف تحمل الرياح اللهب، وتمد
ألسنة الحريق؟!!..من الأكثر
تضرراً..
لو كنت مكان قادة
الجنوب..وكنت أرغب حقاً في
الانفصال بدولة قوية، لتفاوضت
على تمديد الفترة الانتقالية
وتأجيل استفتاء تقرير المصير
سنوات أخرى!!..
فماذا سوف أصنع بدولة لا تملك
احتياطي نقدي يمكنها من أن
تصمد شهوراً بعد الانفصال،
ناهيك عن أن تخوض حرباً
ضروساً تأتي على الأخضر
واليابس!!.. لقد كان تقرير
وزير مالية الجنوب واضحاً
جداً في وصف الحالة المالية
للجنوب.."ليس لدينا احتياطي
نقدي يكفي لمقابلة فترة ما
بعد الاستفتاء"!!..الحرب سوف
تجعل آبار النفط، بركاً
راكدة، في دولة ليست لها
منافذ!!.
ومع ذلك..يجد "باقان" الوقاحة
الكافية ليطرح صفقة "الأرض
مقابل السلام"!!.