|
ماذا بعد أن انفض سامر
نيويورك؟
حسن عبد الحميد
في نهايات العام 1992م جمع
الأمريكان الفرقاء من العرب
واليهود في مدريد بأسبانيا
فيما أُطلق عليه وقتها
المؤتمر الدولي للسلام في
الشرق الأوسط، وقد كانت
لاعتبارات الزمان والمكان
والظرف دور كبير في ما حدث
حينها، فالعام 1992م يوافق
مرور خمسمائة سنة على طرد
العرب من (الأندلس) وهذا يقود
لدلالة المكان وهي أن
(الأندلس) نفسها أصبحت اليوم
اسبانيا التي احتضنت المؤتمر،
أما الظرف فكان انهيار
التضامن العربي بعد غزو
العراق للكويت وتحالف
الأمريكان مع مجموعة من دول
العالم ليس لإخراج صدام من
الكويت فحسب؛ وإنما لتدمير
البنية الحيوية للعراق الذي
كان يشكل تهديدا مباشرا لـ
(إسرائيل) بمواقفه العروبية
القوية تجاه محاولات تصفية
القضية الفلسطينية رغم كل ما
قد يُقال عن منهج وأسلوب حكم
البعثيين آنذاك للعراق.
وحاليا في هذا الشهر (سبتمبر
2010م) وبعد مرور ثلاثة عشر
يوما فقط على ذكرى هجمات
الحادي عشر من سبتمبر ومع
الزخم الإعلامي والتوتر التي
حملته الذكرى وهستريا حرق
المصحف الشريف؛ قامت الولايات
المتحدة بتنظيم مؤتمر للقضية
السودانية في نيويورك، وهو
المؤتمر الذي شهد قيام الحركة
الشعبية ابتعاث كبار قادتها
ليخاطبوا الأجهزة والمؤسسات
الأمريكية الشعبية والرسمية
مبشرين بانفصال الجنوب لدرجة
أن يصرح باقان أموم بأن صرح
الوحدة سينهار في يناير
المقبل كما نقل ذلك موقع
سودانيز أون لاين في صدر
أخباره؛ فهل نستطيع أن نتجاوز
دلالات الزمان والمكان
والتصريحات التي قيلت حين
النظر في مآلات الأحداث
ووتيرة تسارعها؟
قرأت مرارا كلمة زعيم الحركة
الشعبية ورئيس حكومة الجنوب
والنائب الأول لرئيس
الجمهورية سلفاكير ميارديت في
المؤتمر، وحاولت أن أعثر على
فقرة واحدة تقود إلى أن
الحركة الشعبية قد قررت
الوقوف مع وحدة السودان،
ولكني فشلت في ذلك تماما، كما
لاحظ الكثيرون بأن الجلسة
الافتتاحية للمؤتمر لم يأت
أحد على ذكر الوحدة أصلا،
وبدلا عن ذلك لوح سلفاكير
بقضية أبيي باعتبارها قد تؤدي
إلى تجدد النزاع و(المفتاح
والزناد الذي يمكن أن أن
يُفتح ليجدد الصراع من جديد)
حسب تعبير سلفاكير في
المؤتمر، كما لاحظت أن
سلفاكير يتحدث عن استقلال
جنوب السودان وهي عبارة تُلقي
بظلال أن الجنوب كان مستعمرا،
وهي اللغة التي ظلت الحركة
الشعبية تخاطب بها الرأي
العام العالمي منذ فترة
طويلة.
الحركة الشعبية ومن خلال
تصريحات قادتها في رحلتهم
الحالية للولايات المتحدة
يبدو جليا أنهم قد اختاروا
التصريح بأنهم مع انفصال
الجنوب، وفي هذا خرق واضح
لاتفاقية نيفاشا نفسها التي
تنص أن يعمل الجانبان:
المؤتمر الوطني والحركة
الشعبية للوحدة الجاذبة،
وبدلا من الاعتراف بهذا نجد
أن قياديا بالحركة الشعبية
مثل أتيم قرنق يصرح لصحف
الخرطوم هذا الأسبوع أن
انفصال جنوب السودان هو ما
كانت تخطط له الحركة
الإسلامية منذ العام 1965م؟؟؟
غاضا الطرف عن الأخبار التي
تواردت في نفس الأيام من
الجنوب بأن برلمان الجنوب
شكّل لجانا لدعم الانفصال..
وكما قيل: لا أدري إلى متى
يترك الناس يقينا يؤيده
الواقع في سبيل ظن توحيه
الشكوك؟
وفي الخرطوم بدلا من أن تجتمع
بقية الأحزاب لتتخذ موقفا
موحدا من قضية الوحدة
والانفصال كما دعا لذلك رئيس
المجلس الوطني والقيادي
بالمؤتمر الوطني إبراهيم
أحمدا لطاهر؛ انخرطت بعض
الجهات في صراع انصرافي
كالذي دارحول بعض التصريحات
التي أدلى بها وزير الخارجية
مثلا عن قيادات حزب الأمة
والاتحادي الديمقراطي؛ وهذا
لا يخدم الخط الوطني
والإسلامي في هذه البلاد،
وبدلا من ذلك كان الأحرى أن
يرتفع الجميع إلى مستوى
المسئولية، فعلى المعارضة أن
تكف عن محاولات إزاحة الآخرين
بالقوة عن سدة الحكم، وعلى
المؤتمر الوطني أن يتحلى
بأعلى درجات المسئولية للوصول
بسفينة الوطن إلى بر الأمان
من خلال إشراك الآخرين في
الهموم العامة ضمن حزمة
معالجات أخرى للخروج من عنق
الزجاجة.
|