|
مقالات
في السياسة السودانية
عشرون عاما علي كرسي الحكم
الحركة الإسلامية ... الحصاد
والحصيلة
الخرطوم : الهادي محمد الأمين
شهدت العشرين عاما الماضية
الكثير من التجارب التي مرت
بها الحركات الإسلامية في
الحكم علي مستوي العالم
العربي الإسلامي في مقدمتها
جبهة الإنقاذ في الجزائر
والتي كان يقف علي قيادتها
عباس مدني وعلي بلحاج تلتها
تجربة نجم الدين أربكان في
تركيا ثم حكم الفصائل
الإسلامية بأفغانستان ولكن
نتيجة لظروف داخلية وخارجية
ارتبطت بالتجربة وأحاطت بها
أدت لفشلها في هذه البلدان
حيث يتحقق النجاح في استلام
السلطة ولكن سرعان ما تنقلب
الأوضاع ضد الحاكمين
الإسلاميين يعقب ذلك حدوث
تداعيات وآثار ومضاعفات تنعكس
أولا علي القائمين بأمر الحكم
إما بانقسامهم علي أنفسهم
بسبب شهوة الحكم وفتنة
السلطان نتيجة لاختلاف
التقديرات في التعامل
والتعاطي مع المستجدات التي
تفرض نفسها علي الساحة حتى
تصل الخلافات إلي حد
الاحتراب والمواجهة المسلحة
كما هي الحالة في أفغانستان
أو بسبب الاستقطاب الحاد داخل
الطاقم الحاكم من قبل الخصوم
الخارجيين مثلما هي عليه في
نموذج الحركة الإسلامية
السودانية أو تسوقهم الظروف
ليكونوا ضيوفا ونزلاء
المعتقلات ويتحولوا بين عشية
وضحاها من حاكمين في القصور
إلي سجناء في الزنازين كما
هو الوضع في الجزائر وتركيا
... ولكن تظل تجربة الجبهة
الإسلامية القومية في حكم
السودان - والتي دخلت عامها
العشرين - محلا للجدل والحوار
والنقد والتشخيص حول
المكتسبات التي تحققت أو
السلبيات والإخفاقات التي
صاحبت التجربة ولأن الإنقاذ
بدأت الاحتفال بقيام ثورتها
هذه الأيام فان الحاجة تبقي
ملحة لإبداء بعض الملاحظات
والتحفظات حول مجمل التطورات
التي وقعت خلال سني الحكم
المنصرمة .
ويظل اكتشاف البترول وتصديره
للخارج وانطلاقة ثورة
التصنيع والتي كان آخرها
مصنع صافات لتصنيع الطائرات
وقيام مشروع سد مروي بجانب
التوصل لعقد اتفاقيات السلام
الخاصة بالجنوب عبر نيفاشا او
القاهرة الذي وقع مع التجمع
الوطني الديمقراطي أو سلام
أسمرا مع جبهة الشرق وأبوجا
الخاصة بسلام دارفور وما تبعه
مشاركة واسعة لغالبية القوي
السياسية في أجهزة الحكم
والسلطة وما يرتبط بها من
إتساع مساحة الحريات العامة
وحرية الصحافة بهامش كبير
استوعب قرابة ال20 صحيفة
سياسية منها أكثر من 6صحف
حزبية وتمثل سياسة التوسع في
مؤسسات العليم العالي والنهضة
العمرانية وقيام شبكة الطرق
الولائية والقومية والقارية
بالإضافة إلي تشييد المطارات
في عدد من المدن بالشمال
والغرب والجنوب وتأسيس الجسور
التي بلغت قرابة ال8 كباري في
مختلف ولايات السودان وتوصيل
خدمات الكهرباء من أهم
المنجزات التي حفلت بعا
المرحلة السابقة في مقابل
الكثير من السلبيات التي
أظهرتها التجربة من بينها
الأضرار الجسيمة التي وقعت
علي المفصولين من وظائفهم
بالخدمة العامة علي أسس
حزبية وبالتالي تشرد آلاف
الأسر التي لحقت بها مظالم
يصعب معالجتها وزيادة رقعة
الفقر بالبلاد وما ترتب عليها
من مظاهر اجتماعية سالبة علي
شريحة المساكين والمجتمع ككل
وانهيار عدد من المشروعات
الرائدة بالبلاد في مقدمتها
مشروع الجزيرة والرهد والسوكي
وحلفا الجديدة وتوقف المصانع
من أبرز الإخفاقات علي أن
الأهم من ذلك هو غياب الروح
الإسلامية -والتي رفعت شعارها
قيادة الإنقاذ لأول وهلة-
بينما انقلبت عليها في
سنواتها الأخيرة مما أدي إلي
تراخي روح التدين رغم بسبب
إن العامل المادي أصبح مسيطرا
علي الحياة العامة مقابل
تراجع المشروع الإسلامي في
مواجهة وطأة التحدي الخارجي
وازدياد الضغوط الدولية علي
البلاد في ظل ظروف بالغة
التعقيد نجحت الحكومة إلي حد
بعيد في الحفاظ علي وجودها في
كرسي السلطة ولكنها جاءت خصما
علي تحمل الشعب السوداني كله
لتبعات الحصار الخارجي ...
ومع ذلك كله تبقي تجربة
الإنقاذ واحدة من أهم التجارب
الحكم الوطني بالسودان والتي
تحتاج لمزيد من الوقفات
لتقييمها وتقويمها وفحصها
واستخلاص العبر منها لتصويب
المسار وصولا للأهداف الكلية
التي تجمع ولا تفرق وتقوي ولا
تضعف
|