|
ذكريات
صحفية
كدتُ أتسبّب في إغلاق مكتب
البي بي سي
حسن عبد الحميد
في
أواخر العام الماضي دخلت
مكاتب صحيفة (الرائد) فوجدت
الأستاذ كمال حامد الإعلامي
المعروف واقفا بباب الصحيفة،
وعندما ألقيت عليه التحية ردّ
عليّ ضاحكا ثم التفت إلى
الأستاذ يوسف الشنبلي الذي
كان يقف بجواره وقال مشيرا
إلىّ: (هؤلاء اشتغلوا شغل
سياسي خطير في أول عهد
الإنقاذ.) وقد كانت لي مع
الأستاذ كمال حامد قصص كثيرة
عندما كان مراسلا للـ (بي بي
سي) بالخرطوم، أوجز لكم
إحداها فيمايلي.
في بداية العام 1993م عُدت من
القاهرة بعد أن أكملت دراستي
الجامعية هناك،وكنت في بداية
شبابي الباكر ممتلئا حيوة
ونشاطا وحركة، وكان الإخوان
المسلمون في السودان قد
انشقوا إلى مجموعتين: الأولى
بقيادة الشيخ صادق عبد الله
عبد الماجد، والأخرى بقيادة
الشيخ سليمان أبونارو ـ الذي
أقيل لاحقا في العام 2003م ـ
وقد كنت ناشطا في مجموعة
الشيخ سليمان أبونارو، وقد
كانت مجموعة الشيخ أبونارو
مناوئة للحكومة ولا تدع فرصة
إلا وأعلنت عن تلك المعارضة.
وفي بداية العام 1994 والبلاد
تحتفل بالذكرى الثامنة
والثلاثين لعيد الاستقلال،
أصدر الإخوان المسلمون ـ
مجموعة الشيخ أبونارو ـ بيانا
ساخنا يهاجم فيه الحكومة
بشدة، وتلك الأيام كانت
القبضة الأمنية قوية، ولم
تكن الإنقاذ تسمح بتلك
المعارضة في الداخل، وقمنا
بتوزيع البيان ببعض المدن،
وجاء دور الإعلام الخارجي،
فتم تكليفي بتوصيل البيان
لمكتب الـ (بي بي سي)
بالخرطوم والذي كان يديره
الأستاذ كمال حامد، ولم يكن
الأستاذ كمال حامد على علم
بما جرى داخل الإخوان
المسلمين من انشقاق، ولم
ينتبه إلى أن البيان الذي
بحوزته قد أصدره جناح الشيخ
أبونارو لأن البيان لم يكن
فيه ما يشير إلى ذلك، فقام
الأستاذ كمال حامد بإذاعة
البيان في أول نشرة للـ (بي
بي سي) ناسبا البيان للشيخ
صادق عبد الله عبد الماجد.
لأنه لم يسمع بأن الشيخ
سليمان قد صار أميرا لمجموعة
في الإخوان المسلمين. وإن كان
أخبرني لاحقا أنه التقى
بالشيخ سليمان في عطبرة في
السبعينيات من القرن الماضي
عندما كان طالبا بالمرحلة
الثانوية وكان الشيخ سليمان
حينها مسئولا بمكتب الثانويات
بالإخوان المسلمين الذي كان
يرأسه وقتها الأستاذ علي
عثمان محمد طه.
وفور إذاعة البيان بالـ (بي
بي سي) ثارت ثائرة الأمن
السوداني، خاصة أن الشيخ صادق
عبد الله عبد الماجد نفى علمه
بالبيان ونفى أن تكون جماعته
قد أصدرت بيانا في ذكرى
الاستقلال، فأسقط في يد
الأستاذ كمال حامد ولم يدر
ماذا يفعل سوى أن يذيع نفي
الشيخ صادق عبد الله عبد
الماجد، لكنه احتار فيمن جاء
بالبيان وإلى من ينتسب إذا
كان شيخ صادق قد نفى علمه
ببيان كهذا.
وكنت قد اختفيت لأيام متوقعا
التوتر الأمني الذي يمكن أن
يحدثه البيان، وبعد أيام زرت
الأستاذ كمال حامد بمكتبه
فصاح فيّ قائلا: (أين أنت يا
رجل، لقد كدت أن تتسبب في
إغلاق المكتب بسبب بيانك الذي
تسلمته منك الأسبوع الماضي،
من أنت وإلى من تنتسب إذا كان
الشيخ صادق قد نفى علمه
بالبيان؟). فقلت له هذه غلطتك
فأنا لم أقل لك أن البيان يخص
مجموعة الشيخ صادق عبد الله،
نحن يا أستاذ مجموعة أخرى من
الإخوان معارضون للحكومة
لكننا نعمل بنفس الاسم.
ولاحقا دبّرت له لقاءا مع
الشيخ سليمان أبونارو أمير
الجماعة وقتها والشيخ ياسر
عثمان جاد الله نائب الأمير
وقتها والأمير الحالي، فشرحا
له قصة الانشقاق في الإخوان
المسلمين وبيّنا له كثيرا من
آراء الجماعة في الحكومة
وسياساتها. لكني لا أعتقد أن
حديثهما قد وجد طريقه للـ (بي
بي سي) بعد تهديدات الأمن
بإغلاق المكتب.
|