|
الطريق
إلى أبيي
أحمد إسماعيل
أخيراً مرت عاصفة أبيي
بسلام..ولم تخلف وراءها
الدمار الحرائق!!..مرت عاصفة
أبيي بين السرور والحيرة
الدهشة والسخط في آن واحد!!..
السرور لأن قرار محكمة
التحكيم في لاهاي –رغم
تركيبته العجيبة التي توقف
الحديث في حلق المتلكم، إلا
أنها كذلك أوقفت الرصاصة في
حلق البندقية..وطردت شبح
الحرب القريبة..في الوقت
الحاضر على الأقل!!..
وأطراف المشلكة قد رضوا
لأنفسهم بالاحتكام إلى محكمة
العدل في لاهاي..ولكن المحكمة
لم ترفع سيف القانون..وإنما
رفعت راية "التسوية"السلمية
للمسألة!!..وجاءت نتيجة
التحكيم في أبيي أشبه بقسمة
التجار "المال تلتو ولا كتلتو"..وكُلّاً
من الطرفين يحسب أنه هو الذي
قدّم "ثلث المال اتقاءاً لـ"كتلتو"!!.
والحركة الشعبية التي فتح لها
الخبراء الأجانب -الذين صاغوا
قرار اللجنة السابقة- شهيتها
على مصراعيها، أصابتها الحسرة
حين جردها قرار محكمة لاهاي
من أغلب حقول النفط التي كانت
تمني نفسها بابتلاعها!!..المسيرية
كذلك فقدوا أرضاً ومراعي
طرقتها أقدامهم وعرفتها
مواشيهم لقرون عددا!!..
بالنسبة للعالم..كانت الحيرة
في فهم منطوق الحكم الذي تلاه
رئيس هيئة التحكيم..حتى وسائل
الإعلام نفسها أعياها أن تفهم
ما يجري في لاهاي..فأغلب
المراسلون كانوا يتوقعون أن
يأتي الحكم إما بتأييد قرار
لجنة الخبراء سيئة الذكر، أو
برفضه مجملاً، وبالتالي إما
أن تكون أبيي هنا في الشمال،
أو تكون هناك في
الجنوب!!..ولكنهم فوجئوا بشيئ
آخر يناقش الحدود والخطوط،
ويقول إن اللجنة تجاوزت هنا،
ولم تتجاوز هناك..فلم يسعهم
إلا أن يعبروا عن عدم فهمهم
للقرار بقولهم:إن القرار جاء
"بتقنية عالية"!!..
وعموماً فقد مضت مسألة
التحكيم..لأن التراجع عنها
يعني مصادمة مباشرة للحراس
الدوليين "مجلس الأمن"
و"القوات الأممية"!!..وهو وضع
كرّسه الطرفان نفسيهما في
خارطة الطريق التي
رسماها!!..فكان على الحركة أن
تبتلع مجنزراتها وراجماتها
وكل الآلة العسكرية التي دفعت
بها إلى أبيي ترقباً
للصدام..كان عليها أن تبتلعها
بكل شوكها بعد أن فقدت أكثر
من ثلاثة أرباع حقول النفط في
المنطقة، وتوقف عنها صنبور
المال الذي كان منصباً على
فمها!!..
وكذلك كُتب على المسيرية أن
يكظموا غيظهم وغيظ خيولهم،
ويبتلعوا على مضض فقدان أعز
مراعيهم على بحر العرب..رغم
وثائق الحق التي معهم!!
ويبدوا الغيظ المبتلع جراء
الحكم سيعمل الشريكان على
تفريغه في جدول العلاقة
السياسية بينهما..وقد بدأ
الأمر..فهاهو باقان أموم
الأمين العام للحركة الشعبية
ينفش ريشه، ليفجر أزمة جديدة
حين يزعم زعماً غريباً أن
"الاستفتاء على مستقبل أبيي
هو من حق دينكا نقوك وحدهم،
وليس للمسيرية حق فيه"!!..
محتجاً بأن المنطقة المرسمة
هي المنطقة التي كانت فيها
مشيخات الدينكا التسع!!.. وهو
زعم لا يستند إلى مسكة من
قانون أو عقل أو منطق..لأن
الاتفاقية لم تتحدث عن دينكا
أو مسيرية، وإنما تحدثت عن
أهل المنطقة .."أهل أبيي"..وما
جاءت مسألة "مشيخات دينكا
نقوك التسع"، إلا لتحدد
المنطقة التي نقلت إلى جنوب
كردفان في العام 1905م، ولا
يعني ذلك البتة أن المسيرية
لم يكونوا هناك قبل 1905م، أو
أن المنطقة خالصة للدينكا دون
غيرهم!!..
وباقان أموم بطريقته الطائشة
سيجلب مزيداً من التوتر..هذا
الأمر جعل الحكومة ترفع
بطاقة أخرى موجعة جداً للساسة
في الجنوب..وهي بطاقة مدفوعات
النفط للجنوب قبل صدور قرار
التحكيم في أبيي..الحكومة
لوحت بمطالبة حكومة جوبا برد
كل المبالغ التي استلتمتها من
عائدات نفط الحقول التي خرجت
من حدود أبيي!!..كل هجليج،
ونصف دفرة!!..والحركة تبكي من
إيقاف نصيبها، فكيف لها أن
تسدد المتأخرات!!.
المزايدة تجلب
المزايدة..والسياسة هي
العقل..لا المشاكسة!!.
|