|
ألوان
من الغرائب...
برز الثعلب يوما
حسن عبد الحميد
يوم الاثنين الأول من يونيو
2009م ربما يدخل التاريخ
السياسي والإعلامي السوداني
باعتباره من الأيام التي
تتجمع فيها المتناقضات وتلتقي
فيها الزعامات من أهل الأفكار
المتشاكسة والمواقف
المتعارضة؛ ليبحثوا أو
يتحدثوا عن قضية ساهموا ـ
كتيارات سياسية ـ في مختلف
العصور السياسية السودانية
الحديثة في وأدها والتنكيل
بها؛ لينصبوا سرادقا للعزاء
في قضية اسمها (الحرية)
بمناسبة مرور عام على إيقاف
صحيفة ألوان.
ونتفق مع ألوان أو نختلف،
نمتدح نهج حسين خوجلي ومدرسته
الصحفية أو نهجوه، فقضية عودة
ألوان تظل قضية عادية يمكن أن
يتناولها كل شخص من زوايا
القانون أو السياسية أو
الإعلام، ولكن الذين اجتمعوا
في اليوم آنف الذكر كان كل
يبكي على ليلاه، ولم تكن قضية
ألوان إلا مما يسميه أهل
النقد والأدب بالمعادل
الموضوعي الذي يتوسل به إلى
المعنى الحقيقي والمطلب
الأساسي.
فقضية عودة ألوان أو عدم
عودتها تظل قضية مشروعا
الحديث عنها بلا خوف ولا
حسابات سياسية ضيقة... لكن
دعونا نتأمل فيمن حضر وسيرته
ومسيرته في العمل السياسي
والإعلامي وموقفه من
المخالفين عندما يتمكن وتؤول
له مقاليد السلطة والأمر
والنهي.
أبرز الحاضرين وأشهرهم ـ
للغرابة ـ هو الدكتور حسن عبد
الله الترابي... الرجل الذي
يشهد تاريخه بأنه كان يبرر
للعسكر أعمالهم في وأد
الحريات ومصادرة الرأي
الآخر.. والسودانيون لم
يعودوا من ضعف الذاكرة بمكان
يجعلهم ينسون التاريخ الحديث
قبل ما يقل عن ثلاثة عقود...
خاصة أن معظم أبطال تلكم
العصور التاريخية ـ العسكرية
ـ شهود أحياء سواء أكانوا في
مقاعد السلطة المتجبرة أو من
أهل المعارضة المجني عليها..
وتحضرني كلمة للأمير عبد
الرحمن نقد الله ـ عافاه الله
ـ منشورة في الصحف السودانية
عقب المفاصلة الشهيرة بين
القصر والمنشية.. إذ ذكر
الأمير أن الترابي كان يختار
لهم ـ من أهل المعارضة ـ مكان
الزنازين وطريقة الحبس. وهذا
قيض من فيض مما تحفظه وتعيه
جموع الذين ساهم الترابي في
التنكيل بهم. والذي يعتدي على
الحريات الشخصية هل نصدق أنه
في يوم يمكن أن يدافع عن
الحريات العامة.
وكالعادة حضر في ذلك اليوم
ياسر عرمان الشيوعي السابق
والقيادي الحالي بالحركة
الشعبية لتحرير السودان ليضرب
بسهم في مولد التباكي على
الحريات الصحفية... ويكفي في
التدليل على عبث تباكي قادة
الحركة الشعبية على الحريات
العامة تصريح الرئيس البشير
مؤخرا بأن الجنوب تحكمه
الاستخبارات.. فهل يستطيع
عرمان نصح زملائه في قيادة
الحركة الشعبية بتخفيف قبضة
المخابرات على أزمة الأمر في
جنوب السودان قبل أن يتباكي
مع المتباكين على إيقاف صحيفة
ألوان؟ ولأن المولد في ذلك
اليوم كان أشبه بـأركان
النقاش التي يختلط فيها
الحابل بالنابل أيام كان
عرمان طالبا بجامعة القاهرة
فرع الخرطوم أواسط ثمانينيات
القرن الماضي ؛ فلم يفوّت
عرمان الفرصة كي يهاجم ـ بلا
سبب ـ المؤتمر الوطني زاعما
أنه ليست له مقبولية في جنوب
السودان، ولم يحدثنا عرمان عن
مقبولية الحركة في شمال
السودان خاصة بعد انشقاق
الدكتور لام أكول وحديثه عن
الفساد والهيمنة والمحسوبية
داخل الحركة الشعبية وحكومة
الجنوب.
وضم ذلك اليوم ثلة من
اليساريين الذين كانت ألوان
نفسها تخوض حربا ضروسا ضدهم
يوم أن كانت في قمة مجدها
تحمل الفكر الإسلامي وتدافع
عن تطبيقاته ورموزه وأحقيته
في الحياة.. والقائمة تطول
فيمن حضر من أهل اليسار
بعثيهم وشيوعيهم ومايويهم..
لكن أبرز هذه التشكيلة كان
حضور آمال عباس المايوية
الشهيرة التي قضت ردحا طويلا
من عمرها تدافع عن الشمولية
المايوية وتساهم في قمع
المعارضين ثم هاهي تحدثنا
اليوم عن أزمة الحريات وعن
الجبهة العريضة للحريات!!!
يبقى أن حسين خوجلي نفسه لم
يسلم تاريخه ولم تسلم صحيفته
من التجني على البعض، أو
التهليل لقرارات خاطئة كانت
تصدر من هذه الجهة أو تلك، أو
تبني الرأي والرأي المخالف في
نفس الوقت خاصة أيام المفاصلة
الشهيرة بين الرئيس والترابي.
كثير من القضايا تكون مجردة
تحمل عدالتها وتدافع عن
نفسها.. ولكن حينما يتولى
الحديث عنها من عاشوا ردحا من
عمرهم يناقضون ذات القضية
التي يتشدقون بالدفاع عنها...
فإن ذلك يكون إضافة لمسرح
العبث واللامعقول الذي يأبي
إلا أن يطل برأسه على الساحة
السياسية السودانية في كل
حين. وتظل قضية موعظة الثعلب
وبروزه في ثياب الناسكين من
الخدع التي لا يمكن أن تنطلي
حتى على الأطفال.
|