|
أحمد
إسماعيل
مراجعات الجهاديين
الفكرية..إلى أين؟!
( 5/5 )
خلاصة القول
لقد كانت مراجعات الجهاديين
انقلاباً شاملاً في طريقة
التفكير، ورغم أنها واجهت
ردود فعل متباينة، بين رفض
كبير في البداية من قبل
القيادات خارج السجون، إلى
نوع من التفهم، إلى انتشار
واسع، وتقبل كبير..فيما ظلت
مجموعات جهادية أخرى مثل
"القاعدة"، على موقفها الرافض
لتلك المراجعات، وانطلقت
الردود على ما اعتبر شبهات
مأسورين متأثيرين الضغط
الأمني والاضطهاد في السجن.
وبالنسبة لأجهزة الدولة كانت
في بداية الأمر تنظر إليها
بنوع من الارتياب، وتتوقع أن
يكون الأمر مجرد مناورة ليس
أكثر، ثم ما لبثت ما أن تشجعت
وأخذت تقترب بخطوات عملية،
بعد أن رأت من تلك القيادات
الجدية في نشر فكر المراجعات،
فيسرت لهم تنظيم لقاءات مع
السجناء في مختلف
المعتقلات..وأدارت حوارات
مطولة، ثم أخذ الأمر بعداً
آخر بالإفراج عن أعداد كبيرة
من المعتقلين، في مصر،
وليبيا, وغيرها.
ولكن الحق أن الأمر وصل ببعض
قادة تلك المراجعات إلى آماد
بعيدة، تتجاوز مجرد تصحيح
مفاهيم خاطئة، أو مناهج
متعجلة، إلى قضايا كلية كانت
تشكل ركائز لفهم الواقع عند
عامة الحركات..مثل قضية "عدم
شرعية الأنظمة التي تحكم بغير
ما أنزل الله"..بغض النظر عن
مسألة التعامل معها، فحتى
الحجج التي كان يسوقها
الإسلاميون البرلمانيون في
تجويز التعامل مع الأنظمة غير
التي تحكم بغير ما أنزل كانت
تقوم على اعتبار جلب المصلحة
للإسلام ودفع مفسدة عن
المسلمين، وليس على إعطائها
صفة الشرعية..ولكن الأمر وصل
بعض قادة المراجعات إلى ما
يشبه القول بشريعة تلك
الأنظمة..
فعلى سبيل المثال ناجح
إبراهيم القيادي بالجماعة
الإسلامية المصرية يصف أنور
السادات – الذي قال "ما فيش
دين في السياسة وما فيش سياسة
في الدين" وأول من بدأ خط
التطبيع مع إسرائيل بتوقيعه
"اتفاقية كامب ديفيد"- يصفه
في تصريحات خاصة لصحيفة
"الوطني اليوم" المصرية بأنه
"لم يكن خائنا في أي يوم من
الأيام وكان بطلا حقيقيا
ويكفي أنه صاحب نصر أكتوبر
وهو النصر الوحيد الذي حققته
مصر خلال حربها مع
إسرائيل"..بل ويمضي إلى أكثر
من ذلك حين يقول "إن السادات
له حسنات كثيرة جدا على
الحركة الإسلامية لكن للأسف
الشديد الحركة الإسلامية لم
تدرك ذلك إلا متأخرا فالرجل
أحسن إلينا ونحن أسأنا
إليه"..
ولكن هذا لا ينفي أن الآثار
الناجمة عن العنف غير المنضبط
هي التي دفعت بشكل أساسي إلى
المراجعات التي بدأت بمصر
وانتقلت إلى الجزائر، ثم
ليبيا، ومؤخراً المغرب
العربي..فإن الدماء التي سفكت
في الغالب دفعها أبناء العامة
والمدنيين الأبرياء..لأن عجلة
العنف لم تكن متبادلة فقط بين
السلطة والجهادييين..بل دخلت
فيها أطراف أخرى؛ إجرامية
ومخابراتية.. منتحلة شخوص
هؤلاء وأولئك..بهدف تشويه
صورة الجهاد، ونشر الفوضى
والرعب في آن واحد.
وخلاصة الأمر فإن ساحة العمل
الإسلامي بمختلف تياراته، من
جهاديين، وسياسيين، ودعاة
إصلاح اجتماعي، وعقائدي،
وغيرهم، محتاجون أشد الحاجة
إلى المراجعة المستمرة على
ضوء الكتاب والسنة لمفاهيمهم
الحركية، مواقفهم العملية،
طالما أنها محل اجتهاد وليست
من مسائل الإجماع وقواطع
الشريعة..ولكن بمنهج الوسط
الذي ليس فيه غلو يجلب الشر
والوبال على المسلمين بغير
طائل..وليس فيه تفريط يثِّبت
السلطان لمن لغير دين الله،
ويضيع الأصل الواجب في
التغيير الإسلامي، وهو إقرار
العبودية لله في كل مناحي
الحياة، والسياسة والحكم، وفي
الاقتصاد والمعاملات، وفي
حركة المجتمع، وفي صلة
الإنسان بربه وعقيدته فيه..
|