|
ظاهرة الاستلاب في السياسة
السودانية...
عرمان نموذجا
حسن عبد الحميد
الدارس لشعر أبي الطيب
المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل
الناس؛ يلحظ بوضوح عزة النفس
والكبرياء التي تنضح من شعره
وتشع من كلماته؛ ولعل هذا هو
سبب الرهق الذي عاناه أبي
الطيب في حياته وحتى لحظة
موته؛ ولعل من أبرز الأبيات
التي تلخّص هذا المنحى قوله
مخاطبا كافور الإخشيدي:
ما كنت أحسب أني أحيا إلى
زمن يسيء إلىّ فيها كلب
وهو محمود
وأحسب أن المسلم العادي ـ أي
مسلم ـ قد طاف بخاطره معنى
هذا البيت وهو يتابع مهزلة
تهجم رئيس الكتلة البرلمانية
للحركة الشعبية ياسر عرمان
على الشريعة الإسلامية عند
مناقشة القانون الجنائي، ولم
يتوقع أحد أن يتفوه عرمان
بمثل هذه الكلمات الساقطة
التي لا تليق مما وصف بها
القانون الجنائي من أمثال أن
هذا القانون (ساقط)، و(لقيط)
و(فضيحة)، فإذا كان القانون
الجنائي يستند في مجمله
للشريعة الإسلامية؛ يتضح أن
عرمان قد بارز الله تعالى
بالمعصية وهو يصف شريعته بهذه
الكلمات التي لا يمكن أن تخرج
من فم مؤمن بالله ورسوله
والجنة والنار، ومع ذلك
يتباكي قائلا أن هيئة علماء
السودان قد قامت بتكفيره،
ومادرى أن من أوقع نفسه في
مواطن الكفر سرى عليه الحكم
كائنا من كان.
غير أن كلمات عرمان التي تفوه
بها مؤخرا بحق الشريعة
الإسلامية؛ تشير إلى ظاهرة
مستفحلة في العالم الثالث
عموما، خاصة من ذوي الميول
الانهزامية أمام الأفكار
الغربية أيا كان مصدرها
شيوعية أو رأسمالية، ولعل
الذين كانوا يظنون أن هذه
الظاهرة قد اندثرت في السودان
تبيّن لهم أنهم كانوا مسرفين
في التفاؤل؛ فهاهي تطل بوجه
قبيح وإن كانت بلسان عربي.
فعرمان قد استلب فكريا حينما
كان طالبا في مرحلة التعليم
العام منذ أن حاد عن الدرب
واتخذ من الشيوعية الهالكة
منهاجا ودليلا، ثم هام بغير
دليل عندما اختار أن يتمرد
على وطنه ويرمي نفسه في أحضان
المعسكر الشرقي حينها أيام
المانفستو الأول للحركة
الشعبية الذي كان ينضح فكرا
ماركسيا خالصا ويحظى بالدعم
السخي من موسكو والكتلة
الشيوعية العالمية.
ثم انهار صنم الشيوعية
العالمية في بدايات تسعينيات
القرن الماضي، وتابعها في
الذوبان والذبول أنظمة
إفريقية كانت رافعة للواء
الشيوعية وداعمة لحركة التمرد
مثل نظام منغستو هايلي مريام
في إثيوبيا. (فماذا تفعل
الأذناب)؟ كما تساءل فراج
الطيب رحمه الله في إحدى
قصائده العصماء.
ولكن (الأذناب) لم تتلفت
كثيرا، فهاهي الولايات
المتحدة التي طالما تظاهروا
بعدائها؛ قد انفردت بقيادة
النظام العالمي الجديد؛ فما
كان من (مناضلي) الأمس،
ورافعي شعارات المنفستو
الحمراء إلا الارتماء في
أحضان السيد الغربي الجديد
بزعامة الولايات المتحدة
الأمريكية و(الحج) لعواصم
الرأسمالية التي طالما وصفوها
بالنتنة ورموها بأنها أعلى
مراتب الاستعمار!! ولم يكن
عرمان نشازا من هذه الجوقة
الهاربة صوب السيد الرأسمالي
الجديد، وكل امرئ حر في
خياره، لكننا نتتبع مراحل
الانهيار الفكري والانحدار
السياسي عندما يكون منفلتا من
كل قيم سماوية أو شاردا عن أي
هدي رباني.
ورجال بهذا التاريخ الفكري
والسياسي الذي لا يزال شهوده
أحياءا وما تزال شواهده شاخصة
دالة على الإفلاس والخواء، لا
يمكنهم بأي مبرر وتحت أي مسمى
أن يتحدثوا عن شريعة الله
تعالى التي ارتضاها الله
تعالى هداية للبشرية الحائرة
على مدار التاريخ ومختلف
الأمكنة.
المستلبون فكريا وسياسيا
وحضاريا لا يمكن أن يتسلموا
قيادة الناس، والذين يجمعون
إلى التخبط في مسيرتهم
التاريخية تمردا على القيم
التي ارتضاها عامة الشعب
السوداني المسلم لا ينبغي أن
يرفعوا أصـواتهم بترهاتهم
وتخرصاتهم.. (ومما أدرك الناس
من كلام النبوة الأولى.. إذا
لم تستح فاصنع ماشئت).
|