|
قراءة ليست ساذجة لخطاب
أوباما في تركيا
أوباما والعالم الإسلامي:
خطاب مصالحة ..أم إعلان حرب؟!
أحمد إسماعيل
شغل
العالم في الفترة السابقة
بالزيارة التي قام بها إلى
تركيا الرئيس الأمريكي ذو
البسمة الأخاذة، والحركات
الرشيقة..باراك أوباما..و قد
حفت الزيارة بأكاليل من
المديح والثناء، وأعلنت على
الملأ كفاتحة عهد جديد تتصالح
فيه أمريكا "أوباما" الجديد
مع العالم الإسلامي..بعد عقود
من الحرب المريرة القاسية
التي خاضتها السحنة الصليبية
القاسية للرئيس السابق جورج
بوش الابن!!..
أوباما نفسه كان حريصاً على
إلصاق تلك الاحتفالية بزيارته
لعاصمة الخلافة
العثمانية..وكان حرصه هذا
واضحاً في خطابه الذي ألقاه
أمام البرلمان التركي..
كان حريصاً على أن يقول
بوضوح: "دعوني أقول بمنتهى ما
أستطيع من الوضوح: إن
الولايات المتحدة ليست، ولن
تكون أبدا، في حرب مع
الإسلام"!!..وكان سعيداً
بسماع الـ (تصفيق) الذي ارتجت
له قاعة البرلمان التركي!!.
وهكذا كانت تلك العبارات
الزلقة كافية جداً لتُحمل في
عالمنا الإسلامي على الاعناق
ويركضون بها شرقاً وغرباً
وجنوباً وشمالاً..ويملؤون
الدنيا بها طرباً لذلك الرئيس
الأسود الشاب الذي ستشهد على
يديه سياسة أمريكا تجاه
العالم الإسلامي انقلاباً
تاما!!..فإذن فلتسعد آلاف
الأرامل والأيتام..وآلاف
الجرحى..وآلاف المنكوبين
ومبتوري الأيدي والأرجل في
أفغانستان والعراق..وكل أطراف
عالمنا الإسلامي الذي جرّت
عليه آلة الحرب الأمريكية
جنازير مركباتها، أو أسقطت
عليه طائراتها حمم النار
والموت!!.
ولكن أوباما كان قبل هذه
العبارة "الهتافية
الرائعة"..كان يقول – وبوضوح
تام أيضاً- "نحن نشترك في
الهدف القاضي بحرمان القاعدة
من الملاذ الآمن في باكستان
أو أفغانستان. والواقع أن
العالم قصّر كثيرا وجعل الوضع
ينزلق في المنطقة وترك
إرهابيي القاعدة يخططون لمزيد
من الهجمات"!!..
وتلك هي نفس المقدمة التي
طرحها بوش بين يدي جحافله
وآلات دماره التي دفع بها إلى
أفغانستان أولاً، ثم العراق
ثانياً!!..إنها نفس المقدمة
التي ساقها بوش وهي يعلن
الحرب على العالم
الإسلامي..ولكن بوش كان يفتقر
جداً إلى اللباقة الكافية
والدبلوماسية التي يتحلى بها
أوباما..تلك التي تجعلك
تتحسّى السم في لذة، وأنت
مقتنع تماماً بأنك تستمع بنوع
راقٍ من القهوة البرازيلية!!.
إن أوباما أيها السادة لم يأت
ليخفض راية الحرب التي رفعها
جورج بوش ضد العالم الإسلامي
بحجة القضاء على إرهاب
القاعدة وطالباً..والقضاء على
قوى الشر المتمثلة في العراق
وإيران..نشر الديمقراطية
..ولكنه جاء ليبحث تجديد
الحلف القديم بين تركيا
وأمريكا..جاء ليحاربنا باسم
الصداقة معنا..
القاعدة والإرهاب:
أوباما مازال يرفع عصا
التخويف بخطر القاعدة
والإرهاب في المنطقة..ويؤكد
أن واجبه وواجب أصدقاءه العمل
على القضاء على ذلك الخطر..
فيقول: "ومع ذلك فليس من شك
في أن العراق وتركيا
والولايات المتحدة تواجه خطرا
مشتركا من الإرهاب. وهذا
الخطر يشمل القاعدة الإرهابية
التي سعت إلى التفريق بين
العراقيين وتدمير البلاد"..
ولقد أكد أوباما بصورة قاطعة
أنه ملتزم بالحرب لتفكيك
القاعدة..وحرمانها من الملاذ
الآمن لها..
"نحن
نشترك في الهدف القاضي بحرمان
القاعدة من الملاذ الآمن في
باكستان أو أفغانستان.
والواقع أن العالم قصّر كثيرا
وجعل الوضع ينزلق في المنطقة
وترك إرهابيي القاعدة يخططون
لمزيد من الهجمات. ولهذا
السبب نحن ملتزمون بجهد أكثر
تركيزا لتفكيك القاعدة وإلحاق
الهزيمة بها"!!.
وأوباما يعلم تمام العلم ما
تقتضيه معركته مع القاعدة حتى
يحرمها من ملاذاتها الآمنة
ويلحق بها الهزيمة، ويتنتهي
بها الأمر إلى التفكك..ولهذا
فهو لم يأت إلى تركيا حتى قرر
زيادة عدد القوات الأمريكية
في أفغانستان..ولك أن تحسب كم
يقابل ذلك من دماء المسلمين
أطفالاً ونساء، ومن القرى
المهدمة والعشائر
المهجرة؟!!..
إيران تهدد السلم العالمي:
تضمن خطاب أوبا إشارات واضحة
إلى خطر إيران على السلم
العالمي، في لهجة ناعمة تحمل
في طياتها "عبارات تهديد
واضحة"..فهو مثلاً يقرر..
"سيحقق السلام تقدما في
المنطقة أيضا إذا تخلت إيران
عن مطامح امتلاك أي سلاح
نووي".. ثم يمضي ليقول – بين
يدي كلام ناعم طبعا-"
على قادة إيران أن يختاروا
الآن بين أن يطوروا سلاحا أو
يبنوا مستقبلا أفضل
لشعبهم"!!..
إذن ففكرة أن إيران تمثل
تهديداً للسلم الدولي في
سعيها لامتلاك القوة النووية،
هي فكرة أمريكية لم
تتزحزح..والرغبة في تركيعها
لم تتخلف..فقط العبارات
المصادمة التي كان يقولها بوش
حينما يصنفها بأنها جزء "مثلث
الشر" انسحبت من الخطاب، ولكن
الفحوى مازالت قائمة!!..أي
تهديد أكبر من عبارة التخيير
تلك "أن يطوروا سلاحاً أو
يبنوا مستقبلاً أفضل
لشعبهم"!!..وبالطبع فإن
الإيرانيين هم الذين سيبنون
المستقبل الأفضل لأنفسهم
وليست أمريكا..ولكن أمريكا
تملك أن تحرمهم من هذا
المستقبل..هكذا يريد أن
يوضح!!..
الصراع العربي الإسرائيلي:
لقد درجت السياسة الأمريكية
في كل العهود على نمط واحد من
التعاطي حيال قضية "صراع
المسلمين مع اليهود في
فلسطين"!!..وهي سياسة أصبحت
محفوظة من كثرة تكرارها، وهي
باختصار "كل ما يقوم به
الفلسطينون من مقاومة هو
إرهاب..كل ما تقوم به إسرائيل
من مذابح هو دفاع مشروع..على
العرب واليهود أن يتوصلوا إلى
سلام دائم – لإسرائيل- عبر
التفاوض.."..
وحيال هذه القضية التي يمكن
أن تمثل أكبر عنوان للتصالح
بين أمريكا والعالم
الإسلامي..فقط بوضع العدل في
نصابه..فإن أوباما لم يجرؤ
على أن يحرف حرفاً واحداً من
"النص المقدس" للسياسة
الأمريكية تجاه الدولة
اليهودية!!..تابع كلمات
أوباما:
"
ونحن نشترك في هدف مشترك في
الشرق الأوسط وهو إحلال
السلام الدائم بين إسرائيل
وجيرانها"!!..
" يجب علينا أن نرفض استخدام
الإرهاب, وأن نعترف بأن مشاغل
إسرائيل الأمنية هي مصالح
مشروعة"!!..ولا يفوت على فطنة
القارئ الكريم ماذا تعني
"مشاغل إسرائيل الأمنية"!!.
لا أعتقد أن أحداً يحتاج إلى
أن نشرح له مدى مطابقة تلك
العبارات "الأوبامية" للنص
المقدس!!.
على ماذا ستحصل تركيا مقابل
التحالف:
لقد كان واضحاً أن أوباما جاء
ليعرض صفقة على تركيا..والأمر
لا تقصد به تركيا وحدها بل هو
إعلان لكل دول العالم
الإسلامي الراغبة في
التحالف..إن ما تقدمه لن يمضي
دون مكافئة..
بالنسبة لتركيا فالمطلوب منها
أن تؤدي واجبات التحالف،
وتحصل في المقابل على
فوائد..الواجبات معروفة وهي
العمل مع الولايات المتحدة في
القضاء على الإرهاب بكل جهد،
وقد طرح أوباما أمثلة لما
يمكن أن تقدمه تركيا، مثل "
إرسال القوات" والمساهمة في
تدريب قوات الدول المستهدفة
بالإرهاب "أفغانستان
وباكستان"..
كذلك على تركيا أن تعمل
لتحقيق سلام إسرائيل،
باستغلال علاقاتها بالعالم
الإسلامي..وتجيئ أهمية ذلك
العرض من الموقف الجرئ والقوي
الذي أظهرته تركيا –حكومة
وشعباً- أثناء المذبحة
الإسرائيلية الأخيرة في غزة..
وفي مقابل ذلك يعرض أوباما
على تركيا عددا من المكافآت:
أولها:
-
الدعم الأمريكي لمساعي تركيا
من أجل الانضمام للاتحاد
الأوروبي.. "
إذن دعوني أقولها بوضوح:
الولايات المتحدة تؤيد محاولة
تركيا الإنضام إلى الإتحاد
الأوروبي, ونحن نتكلم لا كعضو
في الإتحاد الأوروبي بل كصديق
حميم لكل من تركيا وأوروبا".
-
مزيداً من المصالح الاقتصادية
المشتركة.. "وإذ نسير قدما
بإمكان الولايات المتحدة
وتركيا أن تقتنصا فرصا عديدة
لتقديم الرخاء لشعبينا.
وصباح هذا اليوم تحدثت أنا
والرئيس (غول) عن توسيع روابط
التجارة بين بلدينا. وهناك
فرص جمة لإيجاد فرص عمل
حينما يتعلق الأمر بالطاقة"..
-
مساعدة الحكومة التركية في
القضاء على نشاط حزب العمال
الكردستاني المعارض لها.."
وإنني أتعهد بصفتي رئيسا
وشريكا في حلف شمال الأطلسي
بأن أقدم لكم دعمي وتأييدي ضد
نشاط حزب العمال الكردستاني
الإرهابي".
-
تعزيز مكانة تركيا ونفوذها
السياسي في آسيا الوسطى، وفي
شرق البحر المتوسط من خلال
تمكينها من لعب أدوار فاعلة
في حل النزاعات في دول
المنطقتين.. "ومن الشواهد
الدالة على زعامة تركيا أنكم
تستعدون لأن تكونوا البلد
الوحيد في المنطقة الذي يقيم
علاقات سلمية وطبيعية مع كل
جمهوريات جنوب القوقاز".."
بمقدوركم أن تلعبوا دورا بناء
في حل نزاع ناغورنو-كاراباغ
(بين أرمينيا وأذربيجان)".."
إن الترويج للسلام يشمل كذلك
النزاعات المستمرة في شرقي
البحر المتوسط. وفي هذا
المضمار ثمة ما يدعو للأمل.
إذ تتوفر لدى الزعيمين
القبرصيين (التركي واليوناني)
فرصة من خلال التزاميهما
بالتفاوض برعاية بعثة النوايا
الحسنة للأمم المتحدة.
والولايات المتحدة على
استعداد لتقديم كل مساعدة
يسعى إليها الطرفان وهما
يعملان نحو تسوية عادلة
ودائمة تعيد توحيد قبرص كنظام
فدرالي ذي منطقتين
وطائفتين".!!.
وهكذا فإن أوباما قد جاء يحمل
إعلاناً لتجديد العلاقة بين
أمريكا والعالم الإسلامي،
علاقة لا تلتزم فيها الولايات
المتحدة بأي تغيير جوهري في
سياساتها تجاه القضايا
المركزية للعالم الإسلامي،
وإنما تبذل فقط مزيداً من
المصالح السياسية والاقتصادية
للأنظمة القائمة..في مقابل أن
تبذل تلك الأنظمة أقصى جهودها
لمساعدة أمريكا في تطبيق
رؤيتها في عالمهم..
صحيح أن أوباما اللبق لم ينس
أن يؤكد احترامه للدين
الإسلامي..ولم ينس أن ينادي
بمستقبل للشعوب أفضل، وانتعاش
للتجارة، ورعاية صحية جيدة
للأطفال..إلخ..إلا أن ذلك ليس
ما ينتظره العالم الإسلامي من
أوباما الذي احتفلوا به كأول
رئيس أمريكي من أصول
إفريقية..وما يطرحه لن يغير
شيئاً من الصورة الأمريكية
البشعة في الذهن المسلم، تلك
برهنت على بشاعتها بمشاهد من
تراجيديا الواقع تفوق
التخيُّل..فضلاً عن أن كثيراً
مما طرحه من وعود يملكه
العالم الإسلامي أكثر مما
تملكه أمريكا التي يعاني
اقتصادها جراء الأزمة
الاقتصادية العالمية مايعاني..
إن غاية ما يمكن أن ينتظره
العالم الإسلامي من أوباما،
هو أن يخفف من الوجود العسكري
الأمريكي في العراق..وذلك أمر
من أجل أمريكا في المقام
الأول وليس من أجل عيون
المسلمين..
لا تحلموا بعالم سعيد...فخلف
كل قيصر يموت قيصر جديد
|