|
أحمد
إسماعيل
مراجعات الجهاديين الفكرية
(3)
بين يدي المراجعات
رغم ظهورها المبكر – في نهاية
عقد السبعينات ومطلع
الثمانيات- إلا أن حركات
السلفية الجهادية عاشت عصرها
الذهبي في عقد التسعينات،
عندما عاد المقاتلون
الإسلاميون من جهاد أفغانستان
إلى بلادهم..وأصبح مصطلح
"الأفغان العرب" علماً
عليهم..
وخلال تلك الفترة واجه كثير
من الحكومات في المنطقة
العربية والإسلامية حرباً
شرسة شنتها الجيوش الصغيرة
التي شكلها أولئك العائدون من
أفغانستان؛ في الجزائر، وفي
مصر، وفي ليبيا..وبعض من لم
يرجع إلى بلده، اتجه إلى
مناطق أخرى من العالم
الإسلامي رفعت فيها رايات
الجهاد، ففي آسيا الصغرى
كانوا قادوا العمليات على
جبهات القتال في الشيشان
وطاجيكستان..وفي أوروبا كانت
البوسنة ميداناً واسعاً لهم،
انتقلوا بعدها إلى
كوسوفو..وآثر البعض منهم
اغتنام الفرصة التي تتيحها
قوانين اللجوء السياسي في
أوروبا، ليستقروا في العواصم
الأوروبية مثل لندن، وبون
وغيرها، ولكنهم كانوا يمارسون
نشاطاً فكريا بحتاً، وربما
قدموا دعمهم المادي للمجاهدين
في مناطق القتال.
ولكن النقلة الكبرى التي كانت
حداً فاصلاً بين مرحلتين في
فكر الجهاديين، كانت أحداث
الحادي عشر من سبتمبر، التي
حملت إلى سطح الحدث ذلك
التحالف – الذي كان محدوداً-
بين زعيم تنظيم الجهاد "أيمن
الظواهري" وزعيم جيش القاعدة
"أسامة بن لادن"، وبعض
العناصر من الجماعة الإسلامية
المصرية..وكان التحالف الذي
حمل اسم "الجبهة الإسلامية
العالمية لمحاربة الأمريكيين"
طفرة في فكر جماعات العمل
الجهادي..فقد بعد أن كان
العمل السائد هو الجهاد
الدفاعي ضد الغزاة، أو القتال
لإسقاط الأنظمة – التي
اعتبروها كافرة- في الدول
الإسلامية..انتقل إلى مرحلة
أخرى، وهي الجهاد الهجومي،
وأصبح المصالح الأمريكية في
كل العالم هي المستهدف
الأول..فتهاوت بضرباتهم
سفارتي أمريكا في نيروبي و
دار السلام..واخترق زوق مفخخ
مندفع في مياه خليج عدن
المدمرة الأمريكية يو.أس.أس.كول!!..غير
أن أحداً من الناس لم يكن
يتصور حدثاً بمثل ما وقع في
الحادي عشر من سبتمبر
2001م..أن تضرب أمريكا في عقر
دارها!..
أحداث الحادي عشر من سبتمبر
كانت نقلة أيضاً على مستوى
الفكر، حيث وردت قضايا جديد
على النقاشات الفكرية
والفقهية مثل "قتل المدنيين"
في مجتمعات الكافرين، و"قتل
السياح ومن في حكمهم من
الأجانب غير المقيمين في بلاد
المسلمين".. و"مفهوم التترس"،
وهو"تجويز قتل بعض المسلمين
الأبرياء إذا كان ضرب الكفار
لا يتأتي بذلك، لأنهم يتترسون
بهم- أي يتخذونهم دروعا"،
ومثال ما يقع في العمليات
التفجيرية..إلى غير ذلك من
القضايا التي أدى التوسع فيها
إلى خلافات فكرية
طاحنة..خصوصاً مع ارتفاع
أعداد الضحايا الأبرياء الذين
سقطوا في تفجيرات العراق
بالذات!!..
هذا بالإضافة إلى أن تلك
التنظيمات لم تكن تملك القوة
الكافية لإسقاط الأنظمة التي
تقاتلها، وتلك المسألة قادت
إلى حالة من العنف خرجت عن
السيطرة، لأن للعنف قانونه
الداخلي الخاص..وانتهى الأمر
إلى فقدان الأمن تماماً في
البلاد التي تفجر فيها
العنف..كما حصل في الجزائر،
والعراق، ومثلما يحدث في
الصومال..
كل تلك القضايا والطوارئ
الفكرية دفعت بعض القيادات
الجهادية إلى مراجعة شاملة
لخط العمل الجهادي، تشمل
الممارسات، كما تشمل القضايا
الفكرية التي أصبحت أشبه
بالمسلمات عند الجهاديين..من
عمق السجون انطلقت المراجعات،
التي بدأها قادة الجماعة
الإسلامية المصرية، أمثال كرم
زهدي، وعاصم عبد الماجد،
وعصام دربالة وغيرهم..وتلتها
نداءات مؤسس الجماعة السلفية
للدعوة والقتال في الجزائر
الشيخ حسن حطّاب لوقف العنف
والحوار مع الدولة..ثم جاءت
مراجعات سـيد إمام الشـريف ذو
الثقل العلمي الكبير..ومؤخراً
خرجت مراجعات الجماعة الليبية
المقاتلة.
|