الله غايتنا *** والقرآن دستورنا *** والرسول قدوتنا *** والجهاد سبيلنا *** والموت في سبيل الله أغلى امانينا
 

     

        الصفحة الرئيسية
        أنشطة ومتابعات
        مقـــالات
        حـــوارات
        ركن الأخوات
        دراسات وبحوث
        نشـرة النذيـر
        شـخصـيات
        فــقــه الدعـوة
        بيانات ووثائق
        مكتبة الموقع
        تقـــاريــر
        مواقــع صــديقة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  مشكلة بداوة !!  - الأستاذ / أحمد إسماعيل

أحمد إسماعيل

مشكلة بداوة!!

     "28 أبريل: تُسمى الشهور العربية: القصير ورمضان والفطر الأولانية والفطر الثاني والضحية الأولى، والكرامة الأخيرة، والسايق ورجب..وهي شهور قمرية..

     30 أبريل:  لايستعمل الأهالي سمناً كثيراً في الطبخ. والطبيخ عندهم بسيط؛ عبارة عن خضار يُغلي مع اللحم بما في ذلك لحم الجمال.

     1 مايو: راجع مذكراتي حول سنار..محاكمة بالحديد الساخن

     2 مايو: عند وفاة شخص؛ يُغنِّي الناس ويرقصون وتضع النساء الرماد على رؤوسهن وبعضهن يقصصن شعرهن ويخلطنه بالذرة ويدفنه في الأرض."...

     هذه النصوص من الجزء الثاني من كتاب ريتشاد هيل "على تخوم العالم الإسلامي..حقبة من تاريخ السودان" قضيت الليل أطالع فيه..وهو عبارة عن مذكرات ترجمها لفرنسي المجهول الذي مرّ بالسودان مرتحلاً من مصر إلى الحجاز، ثم مرّ به في طريق عودته إلى مصر..ولكنه لم يُضع يوماً دون أن يدون فيه سطراً – ولو كان واحداً- عن أي شيء..وفي النهاية صارت هذا الملاحظات "واحداً من المراجع المهمة" في التاريخ السوداني في فترة بداية التركية السابقة، وقد جمعها "هيل" مع مذكرات أخرى لكاتب إيطالي – مجهول أيضاً- في كتابه هذا الذي يقع في جزئين.

     و الكتاب – بجزئيه- مادة خام كاملة عن تاريخ السودان في الفترة الأولى من التركية السابقة (1822-1841م)..وأميز ما فيه أنه يخرج بنا من أبنوب التأريخ السياسي الجاف، إلى هواء أرحب، ليحكي لنا كيف كان الناس في الجزء من العالم يعيشون، وكيف كانوا يفكرون..وكيف يأكلون، ويلبسون، ويتزوجون..كيف يتعاملون مع الظلم والطغيان!!..

    صحيح أن الكاتبين لم يكونا أكاديميين، ليكتبا تاريخاً على طريقة المتخصصين، ولكن هذا كان أجمل ما فيهما..ليمتعاك برواية سهلة وشائقة..ويتركا مؤونة التحليل والتدقيق والمقارنة لأهل التخصص..

     ثمة أمر مهم أثارته فيَّ طريقة هذين الأجنبيين- وسوءاتنا في السودان أن جُل تاريخها لم نكتبه بأيدينا ولكنه كُتب لنا- وهو الاهتمام بتدوين كل شيء..فصاحب الكتاب الأول دون كل حادثة عاشها، وجمع كل رواية سمعها، ليخرج لنا في نهاية الأمر بحكاية..بل سفر حكايات للحياة في سودان التركية السابقة في عهدها الأول..

     أما الثاني فكان حريصاً على تدوين كل ملاحظة تمر به يومياً..حتى لوكانت في تبدو للناظر في ذلك الحين تافهة، من قبيل شراء ببغاء من السوق، أو حتى جرة سمن..ولكنها أصبحت بعد ما يقارب المائتي عام ذات قيمة تاريخية!!..ولعله راجع إلى الطبيعة الغربية التي تحرص على أن يدون المرء مذكراته يومياً قبل النوم..

     وهو أمر على النقيض عندنا تماماً..فمجتمعنا غارق في "النقل الشفاهي"،  فترك تراثاً ضخماً من تاريخ البلاد والعباد، وعادات القبائل، وحكايات الملوك والفرسان، رهين ذاكرة الرجال..إن سخوا بها نقلوها إلى أبناءهم، وإلا ماتوا بها ودفنت معهم في تراب هذه الأرض التي جرت على سطحها الأحداث!!.

     أليس من المعيب أن لا تجد مرجعاً لتاريخ دولة الفونج سوى وثيقتين تلهثان وراء من يخرجهما بتحقيق وافي ودقيق..وهما "كتاب الشونة، وطبقات ود ضيف الله"..وما أظن أن ود ضيف الله حين جمع كتابه توقع أنه سيكون المرجع الفريد في تاريخ الفونج..فالرجل إنما كان يجمع روايات أهل الطريق غثها وسمينها، حقيقتها وخرافتها!!.

    ولكن الأكثر عيباً أن معاهدنا وجامعاتنا مليئة بالأساتذة الكبار، وحملة الدكتوراة، وما زالت تخرج الآلاف من متخصصي التاريخ..ومع ذلك لا نجد واحداً يشمر عن ساعده ليجمع ما تفرق فيما تبقى من حوافظ الرجال الذين لم يغييبهم الموت بعد!!..

     ولا نذهب بعيداً، حين نقول: حتى تاريخنا المعاصر مهدد بالتبعثر، فالذين عاشوا أحداثه بل وصنعوها لم يكلفوا أنفسهم عناء أن يكتبوها..وليس المطلوب منهم أكثر من مذكرات يخطونها بأيديهم كيفما اتفق، ليجد فيها الباحثون مادة يصنعون منها التاريخ!!.

    إن طبائع البادية لم تغادر حياتنا حتى بعد أكثر من مائة سنة من الدولة المدنية الحديثة في السودان..وتلك قضية لا تقتصر على التأريخ فحسب، بل في كل ما يطلب التوثيق من أمورنا ...

 

    

 

 

حقــــوق الطبــــع محفوظـــــة