|
من دانفورث إلى غرايشن...
إلى أين تقود جهود المبعوث
الأمريكي؟
تحليل: حسن عبد الحميد
لم تشهد إدارة كلينتون
الديمقراطية (1992 ـ 2000م)
ظاهرة المبعوثين الأمريكيين
للسودان؛ ذلك أن تلك الإدارة
التي جاءت عقب حرب الخليج
الثانية اتسمت سياستها تجاه
السودان بالصرامة والعنف؛
يتضح ذلك في السياسة الخارجية
التي كانت تتبعها الإدارة
الأمريكية وقتها خاصة مادلين
أولبرايت وزيرة الخارجية
آنذاك والتي كانت تميل إلى
إسقاط نظام الإنقاذ بالقوة
ودعم التجمع الوطني المعارض
لاستلام مقاليد السلطة في
البلاد. وبلغت ذروة المواجهة
بين الولايات المتحدة
والسودان في عهد كلنتون في
حادثة قصف مصنع الشفاء أغسطس
1998م. بيد أن تلك السياسات
لم تصل بالإدارة الديمقراطية
في عهد كلنتون إلى ما كانت
تسعى إليه من تفكيك الإنقاذ
وتنصيب خصومها على دست الحكم
في الخرطوم.
لكن جورج دبليو بوش الذي أعقب
كلنتون في البيت الأبيض (2000
ـ 2008م) محمولا على أصوات
المحافظين الجدد وأفكارهم
ومدعوما برجال أبيه بوش الأب
في مفاصل الدولة في البنتاغون
والخارجية والمخابرات لم يشأ
أن يستمر في العداء السافر
للسودان فابتدع فكرة
المبعوثين الخاصين إلى
السودان ليتخذ من الوسائل
الدبلوماسية الناعمة للوصول
إلى ما عجزت عنه إدارة كلنتون
بالطرق العسكرية الخشنة. ومن
هنا بدأت مسيرة المبعوثين
الخاصين الأمريكان إلى
السودان منذ القس دانفورث
2002م الذي نجح في إحداث
اختراق كبير بنجاحه في دفع
الحركة الشعبية والحكومة
السودانية لاتفاقية جبال
النوبة 2002م التي مهدت ضمن
عوامل عدة إلى فتح الطريق
لبروتوكول مشاكوس الذي مهد
الطريق إلى اتفاقية السلام
الشامل في نيفاشا الكينية
مطلع العام 2005م إلى ناتسيوس
الذي أنهى مهمته مع نهايات
عهد بوش الابن في البيت
الأبيض العام الماضي 2008م.
ومع أن الإدارة الأمريكية
عادت مرة أخرى إلى البيت
الأبيض بعد غياب ثمان سنوات؛
إلا أنها استصحبت معها تجربة
المبعوثين الخاصين التي
اجترحتها الإدارة الجمهورية
السابقة سعيا لإدارة الأمر
السوداني بعيدا عن صلصلة
السلاح ولغة التهديد والوعيد.
وقد جرت تحت جسر السياسة
الدولية وعلى مجرى العلاقات
السودانية الأمريكية مياه
كثيرة حين وجد أوباما نفسه
سيدا للبيت الأبيض ومسئولا عن
إدارة الشأن الأمريكي داخليا
وخارجيا.
وأوباما القادم على صهوة
شعارات التغيير؛ لا يود السير
في الطريق التي رسمها سلفه
بوش؛ فبالإضافة إلى الإخفاقات
المتكررة للإدارة الأمريكية
السابقة على عدة مستويات في
السياسة العالمية؛ مما يحتم
تغيير خارطة الطريق الأمريكية
للتعامل مع الآخرين في الشأن
الدولي؛ فإن الأزمة المالية
الضخمة التي ألقت بكلكلها على
الساحة الأمريكية ـ والغربية
عموما ـ تدفع إدارة أوباما
دفعا إلى إعادة النظر في كثير
من الأساليب والسياسات التي
انتهجتها إدارة المحافظين
الجدد برئاسة المتطرفين من
أمثال بوش وديك تشيني
ورامسفيلد.
وغرايشن المبعوث الأمريكي
الخاص للرئيس أوباما للسودان
الذي غادر السودان الأسبوع
الماضي؛ جاء من المؤسسة
العسكرية التي تعرف جيدا معنى
الحرب وأثرها تأزيم العلاقات
بين الولايات المتحدة وشعوب
المنطقة العربية بعد تجربتي
العراق والصومال؛ لذلك جاءت
تصريحاته وكلماته التي ألقاها
أمام مضيفيه في الحكومة
السودانية تحمل دعوة إلى سلوك
سبيل آخر غير الذي كانت تسير
عليه إدارة بوش وتمهد الطريق
أمام الإدارة الجديدة للحوار
البناء بالتزام الطرفين بما
تقتضيه أصول العلاقات
الدبلوماسية بعيدا عن التهديد
باللجوء إلى الأساليب الخشنة
في التفاهم مع الدول ذات
السيادة وتغليب لغة العقل
على قعقعة السلاح التي لم
تعدم من يزيدون وقودها
اشتعالا من تجار الحرب
وجماعات الضغط اليهودية
والسوداء في الولايات
المتحدة. فهل ينجح غرايشن ومن
ورائه أوباما في شق طريق جديد
بعيدا عن مغامرات الإدارتين
الأمريكيتن السابقتين؟
|