|
السياسة السودانية
تستعصي على القراءة
في كثير من
تفاصيلها..ورغم أن
أغلب جوانبها مكشوفة
للعيان..إلا أنها رغم
ذلك غامضة في
ممارستها!!..
فمخططات القوى
الدولية الطامعة في
السودان أصبحت معروفة
ومعلنة..بل تلك القوى
فضلت في الآونة
الأخيرة أن تلعب
بطريقة وضع الأوراق
على الطاولة (على
المكشوف)..ولكن
الغامض حقاً هو تعامل
الساسة في بلادنا مع
ذلك الواضح المكشوف!!.
أليس محيرا أن تحارب
الحكومة أكثر من
عشرين عاماً ضد
انفصال الجنوب عن
الشمال، ثم تعود
لتبرم اتفاقاً يمكن
يفصل الجنوب – حتى
قبل الاستفتاء- بل
ويمنحه حقوقاً في
الشمال نفسه، وتصل
تلك الحقوق إلى
السماح له باجتزاء
أجزاء من أرض الشمال
إذا قضت نتائج
الاستفتاء بذلك،
أوقضت به لجان
التحكيم الدولية؟!!
أليس من المحير حقاً
أن تقف الحكومة
موقفاً قوياً وصلباً
وحاداً ترفع على
أسواره السيوف ضد
دخول 17ألفاً من
القوات الدولية في
دارفور..ثم تعود
لتقبل بستة وعشرين
ألفاً فيما يسمى
بالهجين!!.
ومن جنس هذه الحيرة..مانعايشه
اليوم في قضية أبيي..فقد
خاضت الحكومة صراعاً
طويلة مع الحركة
الشعبية كادت
شراكتهما أن تنفض
بسببه بعد أن رفضت
قرار لجنة الخبراء
الجائر الذي تجاوز
الصلاحيات الممنوحة
للجنة..بعد أن وقفت
الدولة طيلة السنوات
التي تلت اتفاقية
نيفاشا مع الحق
الشرعي للمسيرية ضد
محاولة الاحتيال
الدولي الذي يريد أن
ينتزع أبيي من الشمال
ويلصقها بالجنوب
ليتسنى له (شفط بحيرة
النفط الذي ترقد فوقه
المنطقة).. بعد كل
تلك المعركة التي
صعدت فيها أرواح
الفرسان من المسيرية
والجيش السوداني إلى
بارئها، وأصبحت أبيي
فيها أرضاً محروقة،
وتحول أهلها إلى
نازحين مشتتين حولها..
بعد
كل ذلك تعود الحكومة
لتنهي الأزمة باتفاق
يضرب للحيرة بيرقاً
في ربوة السياسة
السودانية!!
اتفاق
أبيي بعد كل ما قيل
عن احتيال لجنة
الخبراء
الأجانب..يمسك بملف
أبيي بكل أوراقه
ويطويه في لفاقة
أنيقة ويسلمها إلى
(المحكم
الدولي)!!..هكذا كانت
رؤية السياسة
السودانية للحل
النهائي..
ما
الفرق بين المحكم
الدولي في هذه الصفة
البروتوكولية، وبين
لجنة الخبراء
الأجانب؟!!.
.ولكن
ليست هذه هي
المشكلة!!..فيمكن
للحكومة أن تصر على
طرف كمحكم دولي، رغم
أنني لا أفهم لماذا
تصر الدولة في كل
أزماتها (المدوَّلة)
على الطرف
الإفريقي!!؟..لكن
الذي أفهمه أن الطرف
الأفريقي لم يدخل في
واحدة من أزماتنا إلا
وزادها تعقيداً
وتدويلاً!!..
بدءاً بمشكلة الجنوب
التي استلمتها
(الإيقاد) ثم عزمت
عليها شركاءها
وأصدقاءها من اللصوص
البيض!!..ثم مشكلة
دارفور التي ما
استلمها الأفارقة إلى
ليفتحوا الطريق للصوص
البيض!!.
والذي اعتقده أنه حتى
إذا جاءت الدولة
بمحكم إفريقي فإنه لن
يحكم بغير شريعة
اللصوص البيض!!..وإن
حدث ما ترجوه الدولة
وحكم بغير حكم
الطاغوت، فإن الحركة
الشعبية يمكنها
ببساطة أن ترفض ذلك
الحكم، ليلجأ الطرفان
بعد ذلك – حسب نص
الاتفاق- إلى المحكمة
الدولية..وما أدراك
ما المحكمة
الدولية!!..التي هي
الخصم والحكم!!.
إذا فقد جعلت الحكومة
المحكمة الدولية
مرجعاً نهائياً لفض
النزاع..فهل تعقد
الحكومة بنزاهة
المحكمة الدولية
وحياديتها!!..إذاً
كان ذلك صحيحاً
فالوزير أحمد هاورون
على خطر عظيم!!..ولكن
الدولة متأكدة تماماً
أن المحكمة الدولية
لا يمكن أن تكون
نزيهة خاصة حيال
قضايانا..فإذا
فالضحية لا يمكن أن
تكون غير أبيي..
لقد أراد ساستنا أن
ينسونا ألم الضرس
بشيئ من الفرح وقرع
الطبول، ولكنهم في
الحقيقة خلعوا الضرس
السليم
. |