الله غايتنا *** والقرآن دستورنا *** والرسول قدوتنا *** والجهاد سبيلنا *** والموت في سبيل الله أغلى امانينا
 

     

        الصفحة الرئيسية
        أنشطة ومتابعات
        مقـــالات
        حـــوارات
        ركن الأخوات
        دراسات وبحوث
        نشـرة النذيـر
        شـخصـيات
       ملامـح سـودانية
        بيانات ووثائق
        مكتبة الموقع
        تقـــاريــر
        مواقــع صــديقة
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  الشيخ الهدية ..سكت القلب الكبير ورحلت النفس المطمئنة - الشيخ/ياسرجاد الله

     رُوّعت البلاد يوم الأربعاء الماضي بنبأ رحيل الداعية الجَسُور والأب الكريم والوطني الغيور الشيخ محمد هاشم الهدية رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، ولقد أحزنني أشد الحزن رحيل هذا الشيخ الهُمام الذي حاز وبكل جدارة محبة الجميع، ورضى كل الكيانات الدعوية والفكرية والسياسية والأحزاب الوطنية، بل إنه ينال الاحترام والتقدير حتى من أعدائه لما تحلى به رحمه الله من علم ثاقب ،وفهم متوازن، واحترام لكل الناس ممّن كانوا معه ومن لم يكونوا معه، ولعفة لسانه وصدقه وزهده في حطام الدنيا الفاني.

     ولي مع الشيخ رحمه الله رحمة واسعة صلة خاصة كم أنا بها فخور، فقد كنّا شبابا في مقتبل العمر، وفي بدايات طريق الدعوة، وجئنا إلى جامعة الخرطوم مركز الدعوة للشباب محضن التربية الإسلامية في فترة الستينات وبدايات السبعينات، وفوجئنا بمدرسة فكرية تغزو جماعتنا بفكر غريب وآراء شاذّة ومنهج حركي يريد أن يسلك مسالك الشيوعيين والعلمانيين في الوصول إلى السلطة، ويميّع ثوابت الدين ويحارب المدرسة السنية السلفية، وما كان لها من آثار إيجابية في تربية أعضاء الجماعة وتبنّي مفاهيم المدرسة العصرية التي تريد أن تغيّر المفاهيم العقدية والدينية الإسلامية لتوافق العصر الحديث وما توصل إليه الغرب من مفاهيم سياسية وفكرية واجتماعية .. !!

    جهـوده الدعـوية مع جيرانه النصـارى في المسـالمة أثمرت بالحكمة والحنكة تحويل كنيسـة كبيرة في المسـالمة إلى مسجد .. !!  

      عندئذ أظلمت الدنيا في عيوننا، وما زاد ألمنا وعمّق إحساسنا بالضياع الأسلوب الذي كانت تتبعه هذه المدرسة من تدسّس ناعم أحيانا وصراحة بالفكر الغريب في المجالس الخاصة، واستقطاب لكثير من شباب الجامعة باعتبار أن الجماعة كانت تسير بلا منهج ولن تستطيع أن تحدث تغييرا بأسلوبها الذي تسير به. والتحذير الذي كان يمارس لكثيرين بأن يصبروا حتى يروا آثار هذا المنهج الجديد.. وبدا لنا أن غشاوةً على أعين إخواننا حجبت عنهم رؤية الحق الساطع فساروا وراء الناعق الغريب ...

      سمعنا بالأستاذ القامة الداعية الهمام الدكتور محمود برات وجذبتنا محاضراته التي كنّا نحفظ مقاطعها الجذابة، فالتجأنا إليه نبثه همومنا ومخاوفنا، فوجدناه ذاك الخبير الذي وضّح لنا الأمر من أساسه و أصوله، وسمعنا منه ما زاد يقيننا في ضلال السامري أو بلعام باعوراء، وكما كان يحلو للدكتور برات أن يسمّيه (مسليمة ) .

      جلسنا معه طويلا وكانت الجلسات تمتد أحيانا إلى الفجر، وكان له الفضل بعد الله تعالى في تقويم فمهنا لمسألة التكفير، وما كنّا نقرأه في فكر الإمام المجاهد الأستاذ الشهيد سيد قطب.. وكعادة الشباب دعونا الأستاذ برات رحمه الله لأن نعلن تميّزنا عن هذه الجماعة وهذا الفكر وتعريته، وبحكمة الداعية والمربّي زجرنا عن ذلك وأقنعنا بالعدل عن هذه الفكرة الآن، ولظروف مرض الأستاذ واعتقاله الكثير وسفره إلى الخارج دعانا إلى أن نذهب إلى الشيخ الهدية ونلزم مسجده في العرضة، ونتخذه مربيا وموجها.. وفي كنف هذه الجماعة السلفية نحافظ على أنفسنا، وبالفعل انطلقنا نحو مسجد الشيخ رحمه الله بالعرضة بأم درمان، وصار الشيخ إمامنا في الصلاة يوم الجمعة، وموجهنا بالمسجد وبمنزله المتواضع بحي المسالمة، وتعمّق حبنا له لما كنا نلقاه من حفاوته وإكرامه وصبره علينا، ولقد تعلمنا من الشيخ رحمه الله أهم الأشياء وأغلاها.. تعلمنا منه التوازن في التعامل مع الآخرين، والتفريق بين الخلاف الفكري والمودة والمحبة، ووجدنا عنده فهم عجيب لفكر الإمام حسن البنا، وحكى لنا من المواقف التاريخية بين الإخوان وأنصار السنة في السودان، وأهداني عددا من الكتب للشيخ عبد الله حمد وغيره من مشايخ الدعوة السلفية وعرفنا أن الفرق بين الإخوان وأنصار السنة المحمدية ليس كبيرا، وكان يقول لنا إن الإخوان خطوا في مجال السياسة خطوات قد تهيأوا لها بتطبيق الجماعة والأوضاع في العالم الإسلامي.. أما نحن فلم ندخل هذا المجال، لكننا نساندهم فيه بكل قوة.

  تعلمنا من الشيخ رحمه الله أهم الأشياء وأغلاها.. تعلمنا منه التوازن في التعامل مع الآخرين   .

    وحكى لنا قصة جبهة الدستور وكيف تأسست في الخمسينات ثم جبهة الميثاق الإسلامي والمعركة السياسية الكبيرة بين الإسلاميين والعلمانيين.

      وفي بيت الشيخ العامر رأينا كل ألوان الطيف الإسلامي والسياسي، تماما كما رأيناها البارحة في جنازته المشهورة. ورأينا جهوده الدعوية مع جيرانه النصارى في المسالمة والتي أثمرت بالحكمة والحنكة والصبر تحويل كنيسة كبيرة في المسالمة إلى مسجد .. !!

      ورأينا جهوده في جمعية إحياء النشاط الإسلامي مع الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد والشيخ عوض الله صالح رحمه الله ونفر كريم يضيق المجال لذكرهم، حتى أنشئ المجمع الإسلامي الكبير جوار مدرسة محمد حسين بجوار النادي القبطي الذي كان محضنا للتبشير المسيحي ..

      لقد قضى الشيخ رحمه الله (55) عاما من العمل الشاق والمضني تحتاج لسفر كبير لنقلها للأجيال الآتية، ولم يمنعه المرض ولا سِنُّه المتقدمة من المداومة في المركز العام والاتصال بكل الجهات والسفر إلى الأقاليم وخارج السودان،في مثال نادر للداعية الذي يعطى كل وقته للدعوة.

      ألا رحم الله الشيخ الهدية وأسكنه فسيح جناته..قد مات في شهر كريم في العشر الأول منه وهي أيام الرحمة،ونسـأل الله أن يجيرنا في مصـابنا فيه،ويرزق الدعـوة خيرا منه،وإنا لله وإنا إليه راجعون،ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

 

حقوق الطبع محفوظة 2008